بعد انقلاب 30 يونيو 2013 سيطرت المؤسسة العسكرية على أجهزة الإعلام في مصر، وباتت مساحة التعبير ليس فقط المعارض، إنما المختلف عن الرواية الرسمية، شبه مستحيلة فثمنها فائق الكلفة، ولم تشكل الفاصلة القصيرة للانفتاح الإعلامي ما بعد ثورة يناير مساحة كافية لتطوير تقاليد إنتاج جديدة في الإعلام، أو تغيير فعلي في الكوادر الصحفية، وأصبح العودة إلى عادات الطاعة في نشر ما تمليه أجهزة "السامسونج" السيادية ليست أمرا مفاجئا، بل تكريس عادات متجذّرة باتت تعتبر طبيعية في زمن العسكر.
ومنذ أيام تم ايقاف برنامجي الإعلاميين معنز مطر ومحمد ناصر على قناتي الشرق ومكملين، بات سؤال الشارع المصري الذي اعتاد سماع الحقائق من المنصات المصرية المعارضة للانقلاب والتي تنطلق من الأراضي التركية، هل سيضطر إلى تجرع رؤية أشباه إعلاميين واذرع مرتزقة يحرفون الخبر عن موضعه، ويقلبون الحق باطلا؟

إعلام السامسونج
كان الإعلام وأدواته هما الركن الرئيس بعد القوة المسلحة في الخطة والأحداث التي مهدت الطريق للعسكر للقيام بانقلابهم الدموي في يوليو 2013، ورغم زيف وفبركة الكثير مما كان يسوقه الإعلام حينها من أحداث ووقائع لكنه نجح في التأثير على الرأي العام وجعل قطاعا ليس بالهين من الشعب المصري يتعجل النتائج من النظام المنتخب مع عدم منحه الفرصة للعمل على تحقيق المأمول منه وكان ما كان.
ومثلما كان الإعلام حينها أحد أقوى الأدوات التي برهنت على مدى سيطرة الدولة العميقة وإحكامهم لخطة الإطاحة بالثورة، اليوم أصبح الإعلام وأدواته نفسها دليلا يتجدد يوميا ويوضح مدى سوء إدارة وفساد نظام الانقلاب العسكري الحالي.
عندما استشهد الرئيس محمد مرسي وضمن مهزلة التغطية الإعلامية البالغة السوء للإعلام العسكري تم تداول مقطع للمذيعة "منى درويش" وهي تسرد بيان النيابة العامة حول الأسباب الملفقة لوفاة الرئيس وختمت قراءة البيان بعبارة "وتم الإرسال من جهاز سامسونج".
وهو ما أثار حينها موجة عارمة من السخرية من الوزير والنظام، وبرهن على أن حتى أعضاء الحكومة من وزراء ومسؤولين هم أشبه بموظفي العلاقات العامة والتسويق، وينفذون ما يرد إليهم من تعليمات من الإدارة العليا دون تفكير أو مناقشة، وغير مسموح بالتحرك خارج الإطار المرسوم والمحدد، وحتى في الحالات الطارئة.
كان هذا يتم سابقا بشكل سريع نسبيا ويتم توزيع النص على الوسائل الإعلامية لتغطية الحدث دون السماح بتغطية حقيقية ومستقلة، ويتم التضييق باستمرار والحد من قدرة الشبكات الإخبارية الدولية والخاصة على الوصول والتفاعل مع الأحداث ضمن مخطط غلق المجال الإعلامي للدولة المصرية بالكامل، وهو أمر لا تخطئه العين، وجعل الرواية الرسمية للدولة هي الرواية الوحيدة المتاحة- هذا لو صدرت من الأصل- فالنظام العسكري وصل حاليا لمرحلة من اللامبالاة بحبك رواية متماسكة إلى حد ما ومتزامنة مع الأحداث نسبيا كما كان يفعل في السابق.
تقول الناشطة زهرة اللوتس:" انت فاكر لما يتوقف برامج معتز وناصر الناس هاتسكت بالعكس اللي عاوز يعرف حاجة هايعرفها ومش هاناخد أخبار ولا معلومات من إعلامك الـ"…" والناس هاتفوق من الغيبوبة اللي انتوا السبب فيها وماتفتكرش إنك كده انتصرت يا أوزعه يا أبو رجل مسلوخة".

رفع الحرج
وكان معتز مطر قد أعلن، في حلقة برنامجه على قناة الشرق مساء السبت أنه سيكون في "إجازة مفتوحة" من العمل في القناة، مضيفا: "إجازة لم يجبرنا عليها أبدا، لا تركيا، ولا قناة الشرق، ولكنه قرار لرفع الحرج عن الجميع، حتى لا نكون سببا في أي مشاكل من أي نوع لا لتركيا ولا للقناة".
وتابع مطر: "لن أثقل على تركيا وزملائي، وسأكمل من أي مكان في العالم، وبأي طريقة في طريق الحق، عبر منصة أخرى في السوشال ميديا، ولن يكونوا قادرين على إيقافنا إلا بالموت".
في المقابل أعلن الإعلامي، محمد ناصر عن إجازة لبرنامجه على قناة "مكملين".، وقال ناصر عبر حسابه على "تويتر": "جمهوري العزيز، تعودنا على الشفافية معكم ومشاركتكم معنا في كل كبيرة وصغيرة، واستمرارا لهذا المبدأ أود أن أعلمكم بأني في إجازة خلال شهر رمضان، آملا في العودة إليكم كما كنت دائما، معبرا عن قضايانا وقضايا أمتنا على الوجه الذي يرضي ربنا".
وأصبح هاشتاج (متضامن مع معتز وناصر) الأكثر تداولا بعد إعلان الإعلاميين المصريين المعارضين توقف برنامجيهما على قناتي “الشرق” و”مكملين”، اللتين تبثان من إسطنبول.
وتابعت "الحرية والعدالة" تفاعل رواد مواقع التواصل الاجتماعي مع هذه التطورات، حيث غرد الإعلامي أحمد سمير قائلا: #متضامن_مع_معتز_و_ناصر ومتضامن مع كل صاحب رأي وكلمة حق بيقاوم كل خاين وظالم للناس في خندق واحد مع أصحاب المبادئ، و(أحث) المصريين على الانحياز لإرادة ورغبات الشعوب".
أما الكاتب الصحفي جمال سلطان فقال: "شرف ونجاح مهني كبير أن يكون "الإعلامي" مادة للتفاوض بين دولتين بحجم تركيا ومصر، يوزن -وحده- بمصالح إستراتيجية كبرى بين البلدين، لو لم يكن في سجل معتز مطر ومحمد ناصر غير هذه الواقعة لكفتهما فخرا مهنيا ونصرا إعلاميا لن يمحى من تاريخ الإعلام المصري".
أما محمد الوليدي فغرد: "بعد عصر اليوتيوب لم تعد القنوات بذات الأهمية.. لذا كل واحد فيكم يفتح قناته"، فالجميع داخل مصر خاضع للتوجيه الانقلابي، وأي تغريد خارج السرب كفيل بنفي صاحبه خارج المنظومة وربما خارج مصر نفسها أو الزج به في غياهب السجون والمعتقلات".

Facebook Comments