أسفر حادث تصادم سيارة نقل بحافلة ركاب على طريق أسيوط – البحر الأحمر عن مصرع 22 مصرياً، فضلاً عن إصابة 4 آخرين، نتيجة تفحم الحافلة بالكامل واحتراق غالبية من كانوا بداخلها، فيما انتقلت قوات الحماية المدنية إلى مكان الحادث، وسيارات الإسعاف لنقل المصابين إلى المستشفى الجامعي بمحافظة أسيوط. وكانت غرفة إدارة الأزمات والعمليات المركزية بأسيوط قد تلقت إخطاراً بوقوع حادث التصادم عند الكيلو 103 في اتجاه محافظة سوهاج، فيما تبين من المعاينة الأولية أن حافلة الركاب كانت قادمة من العاصمة القاهرة، وأثناء محاولة تخطيها سيارة نقل محملة بالأسمنت السائل تصادمت بها، ما أسفر عن انقلاب الحافلة، واشتعال النيران فيها.
الحادثة تأتي بعد نحو أسبوعين من تصادم قطارين بمحافظة سوهاج، أسفر عن 32 قتيلاً، ونحو 165 مصابا. وتشهد مصر ارتفاعاً ملحوظاً في حوادث الطرق، وهو ما دفع، عضو مجلس النواب، منى عبدالله، لتقديم سؤال برلماني، إلى رئيس المجلس، المستشار حنفي جبالي، الأسبوع الماضي حول ارتفاع نسبة حوادث الطرق في مصر. وقالت في بيان لها، إنه في الآونة الأخيرة تصدرت مصر قائمة دول العالم في حوادث الطرق، موضحة أنها مشكلة خطيرة حيث يصل ضحايا الحوادث في مصر إلى النسبة الأكبر على الإطلاق في معدلات الوفيات في مصر، فهي أعلى من ضحايا الإرهاب على سبيل المثال. ولفتت إلى أن هناك إحصائية صادمة عن حوادث الطرق في مصر "فكل 85 دقيقة واحد بيموت في مصر من حوادث الطرق"، حسب بيانها.

شبكة طرق كدة!
وفي مايو 2014 قال الدكتاتور عبدالفتاح السيسي في حوار تليفزيوني: ” هعمل لك شبكة طرق في خلال سنة تمسك مصر كده”. ويعتبر السيسي مشروعات الطرق الجديدة أحد المشروعات القومية الكبرى التي يقوم بتنفيذها في مصر. كان وزير النقل الفريق كامل الوزير قال في مايو2020بحضور عبد الفتاح السيسي، إن تكلفة مشروعات الطرق والكباري التي تم إنشاؤها بلغت 175 مليار جنيه!.
لكن الأرقام تكشف أن حوادث الطرق في مصر لا تزال من أعلى المعدلات العالمية؛ ووفقا للنشرة السنوية لحوادث السيارات والقطارات عام 2019م التي يصدرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فقد ارتفع ارتفع عدد حوادث السيارات على الطرق في مصر خلال عام 2019 ليبلغ 9992 حادث، مقابل 8480 حادث عام 2018 بنسبة زيادة بلغت 17.8%.
وبحسب النشرة، بلغ عدد القتلى نتيجة حوادث السيارات خلال عام 2019 عدد 3484 شخصًا، مقابل 3087 شخصا خلال عام 2018 بنسبة زيادة بلغت 12.9%. وارتفع معدل حوادث السيارات إلى 27.4 حادثاً يوميا خلال عام 2019، مقابل 23.2 حادثاً يوميا في عام 2018.
وكان تقرير لوزارة النقل والمواصلات بحكومة الانقلاب بحسب شبكة الجزيرة نت، نشرته الصحف المصرية قد كشف أن تكلفة حوادث الطرق والمرور في مصر تخطت حاجز 40 مليار جنيه عام 2017م. بحسب دراسة أصدرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن “التكلفة الاقتصادية لحوادث الطرق في مصر عام 2017”.
وفقا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وصل عدد حوادث الطرق في مصر خلال عام 2018 إلى 8480 حادثا. وإن كان ذلك العدد صادما، فهو أقل مقارنة بعام 2017 حيث وصل العدد حينها لحوالي 11 ألف حادث. وبالرغم مما تشير إليه هذه الأرقام من انخفاض إيجابي بنسبة تصل لحوالي 20%، تظل حصيلة الضحايا مرتفعة يإجمالي 3.087 قتيل و11.803 مصابين.

أسباب ارتفاع حوادث الطرق
وفي حوار أجرته الإذاعة الألمانية DW عربية، مع استشاري الطرق، دكتور أسامة عقيل، يؤكد فيه على أن جزءا كبيرا من حوادث الطرق في مصر يقع بسبب سيارات النقل كبيرة الحجم حيث قال: "تشكل الشاحنات حوالي 20 % من إجمالي المركبات على الطرق، ويؤدي اختلاط تلك الشاحنات بالسيارات العادية على الطريق إلى ارتفاع إمكانيات وقوع الحوادث. فوفقا لعدة إحصائيات، 40% من حوادث الطرق في مصر أحد طرفيها شاحنة".
أما جهاز التعبئة والإحصاء فقد حصر الأسباب المؤدية لوقوع حوادث السير في العامل البشري بالدرجة الأولى حيث قدر نسبة الحوادث التي وقعت بسبب أخطاء بشرية بـ 75.7%، بينما تسببت الأعطال الفنية في 17.1% من إجمال الحوادث، أما حالة الطرق وصيانتها فأدت إلى وقوع 2.9% فقط من الحوادث. وهي الأرقام التي فهمت من جانب محللين ومراقبين على أنها محاولة لتبرئة شبكة الطرق التي أنشأها الدكتاتور عبدالفتاح السيسي بالقروض الضخمة من تهمة التسبب في وقوع هذه الأعداد الهائلة من الضحايا، وفي كل الأحوال فإن حوادث الطرق في مصر لا تزال عند معدلاتها السابقة قبل هذه الشبكة العملاقة التي جرى الإنفاق عليها بمئات المليارات.
إلا أن استشاري الطرق، دكتور أسامة عقيل، وصف فهم أسباب وقوع حوادث الطرق في مصر بكونه "خاطئا" لرفضه تحميل العنصر البشري وحده المسؤولية كاملة ويضيف: "أي حادث يقع لعدة عوامل مجتمعة لابد من دراستها بشكل علمي، فعلى سبيل المثال، عند القول بأن حادثا ما وقع بسبب تجاوز السرعة، فلماذا وقع مع قائد تلك السيارة بالتحديد دون غيره من السيارات المتجاوزة للسرعة؟ فعند توفير كل عوامل سلامة الطرق، حينها فقط يمكننا أن نحمل السائق المسؤولية كاملة".
واعتبر عقيل أن مصر تفتقد لوجود إجراءات موحدة معتمدة من كافة الجهات للتعامل مع حوادث الطرق ويقول: "في حالة انحراف السيارة وسقوطها في المياه، على سبيل المثال، يذكر التقرير الطبي الغرق كسبب للوفاة ولا يتم تسجيل الحالة كحادث مروري، أي أن التسجيل يقع بشكل طبي غير إجرائي لانعدام القواعد التي تنظم التعامل مع هذا النوع من الحوادث في مصر".
ويؤدي غياب الإجراءات الموحدة في التعامل مع ذلك النوع من الحوادث، وما يتسبب فيه لاحقا من تقارير طبية تخلو من تسجيل حادث الطرق كسبب للوفاة في كثير من الحالات، في عدم حصول أسر بعض هؤلاء الضحايا والمصابين على تعويضات مالية وعدم تلقي مرتكب الحادث أو المتسبب فيه أحيانا للعقوبة المناسبة.

الحاجة لمنظومة إدارة حديثة
وفقا لتقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية، نقلا عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ووزارة الداخلية بحكومة الانقلاب، وصلت نسبة الوفيات إثر حوادث الطرق ما يعادل 9 أشخاص من بين كل 100 ألف نسمة، بينما في دولة مثل ألمانيا، قريبة من مصر من حيث الحجم وإجمالي عدد السكان، وصلت نسبة الوفيات إثر حوادث الطرق بها إلى 4 أشخاص من بين كل 100 ألف نسمة.
وشهدت عدة طرق في مصر عمليات تطوير من بينها "الطريق الدائري الإقليمي"، الذي وصفته الحكومة بـ "واحد من أهم المشروعات القومية للدولة" حيث يبلغ طوله 365 كيلو مترا. كما أعلن البنك الأوروبي للإعمار والتنمية، أن مصر تحتل مرتبة "أكبر دولة عمليات للبنك في العالم" بإجمالي استثمارات وصلت لنحو 5 مليار دولار أمريكي يتجه جزء كبير منها لتطوير البنية التحتية، والتي تتضمن تطوير الطرق والنقل في مصر.
ورغم إنفاق هذه المليارات الهائلة ، إلا أنه مازالت هناك حاجة لتحديث إدارة الطرق، ففي تصريحات صحفية سابقة، يرى عضو مجلس النواب والضابط الأسبق بإدارة المرور التابعة لوزارة الداخلية، اللواء سعيد طعيمة، أن مصر تمتلك الآن منظومة طرق أكثر جودة مقارنة بالماضي، ولكنه أكد على الحاجة إلى منظومة "تكنولوجية" للتعامل بكفاءة مع حوادث الطرق.
ويتفق استشاري الطرق، دكتور أسامة عقيل، مع طعيمة في الحديث عن الحاجة إلى منظومة أحدث لإدارة الطرق في مصر حيث اعتبر أن الإمكانيات الحالية للدولة لا تسمح بالتعامل مع شبكة الطرق الضخمة في مصر، خاصة وأن جزءا كبيرا من هذه الطرق تم إنشاؤه بالماضي.
ويقول عقيل،: "جزء كبير من الطرق السريعة في مصر يخترق التجمعات العمرانية والمناطق السكنية، كما يعاني جزء آخر من الطرق من عدم تقسيمه لحارتين متقابلتين بما يعد من الأسباب الأساسية لوقوع الحوادث، إلا أن إخراج الطرق السريعة من داخل كافة المدن المصرية وتوسيع الطرق القديمة بما قد يتطلب نزع ملكية الأفراد لبعض الأراضي يحتاجان لكثير من العمل والوقت".

Facebook Comments