انقلاب الجنرال عبدالفتاح السيسي على الرئيس المنتخب الشهيد الدكتور محمد مرسي والمسار الديمقراطي الوليد بعد ثورة 25 يناير 2011م، أضعف الموقف المصري بشكل عام وفي أزمة سد النهضة مع إثيوبيا بشكل خاص؛ حيث جرى تعليق عضوية مصر في الاتحاد الإفريقي بسبب انتزاع السلطة بشكل غير دستوري "انقلاب عسكري"، وهو الإجراء الذي وظفته أديس أبابا لصالحها لاحقا؛ حيث ساومت السيسي وابتزته ليعترف بالسد مقابل الاعتراف بشرعية انقلابه من جانب الاتحاد الإفريقي وعودة مصر إلى الاتحاد مرة أخرى. وهو ما جرى بالفعل؛ ما يبرهن على أن السيسي منح الأولية لأطماعه في السلطة على حساب مصر وشعبها وحقوقها المائية.
الأمر الآخر، أن اللجنة الدولية لتقييم الدراسات الإثيوبية لسد النهضة والتي جرى التوافق عليها بين الدول الثلاث في 29 نوفمبر 2011م، وكانت تضم خبيرين من كل دولة(مصر ـ السودان ـإثيوبيا) وأربعة خبراء أجانب محايدين، ومتخصصين في مجالات هندسة السدود والموارد المائية، وتأثيرات السدود على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. وهي اللجنة التي بدأت عملها في مايو 2012، وأنجزت تقريرها النهائي في 31 مايو 2013م، كشف التقرير النهائي الذي أصدرته عن وجود سلبيات خطيرة في التصميمات الإنشائية، وقالت اللجنة إن التصميمات الإنشائية التى قدمتها إثيوبيا عن السد هي تصميمات أولية وسطحية، ولا تختص بالمشروع نفسه ولا موقعه الحالي، ولا ترقى لمستوى الدراسات المطلوبة لسد بهذا الحجم الضخم، وأن بعض هذه الدراسات قد وضعت بعد البدء في بناء السد وأثناء عمل اللجنة. وأثبت التقرير أن حكومة إثيوبيا تخفي كثيرا من المعلومات الحيوية عن السد وتتعامل معها بسرية تامة، وأوصى الخبراء بضرورة وضع تصميمات جديدة للسد، وإتاحة كل المعلومات المتعلقة ببناء السد، وإجراء دراسات إنشائية وبيئية واقتصادية جادة وحديثة، وقد أقرت إثيوبيا بما ورد في التقرير، ووقّع الخبيران الإثيوبيان عليه كاملًا.
وعلى الفور شرع الرئيس مرسي وقتها في توظيف نتائج التقرير لدعم الموقف المصري والذي اعترفت إثيوبيا بكل ما ورد فيه من مخاطر، في مطالبة إثيوبيا بوقف بناء السد إلى حين التأكد من أنه لا يشكل خطرًا على أمن مصر المائي”. حيث دعا القوى الشعبية لتوحيد الصف الوطني، ودعا أحزاب المعارضة للاجتماع في مقر الرئاسة (في 3 يونيو 2013م)، وأطلعهم بشفافية على ما ورد في تقرير اللجنة الدولية، وهو الاجتماع الذي أذاعه التلفزيون الرسمي على الهواء مباشرة(قيل إنه جرى بثه دون علم المشاركين)، ودعا بعضهم إلى أعمال استخباراتية ضد إثيوبيا، واعتبرته وسائل الإعلام الموالية لأجهزة الدولة العميقة، فضيحة وكشفا لأسرار الدولة، ولا تزال الآلة الإعلامية للنظام العسكري تتخذ من هذا الاجتماع ذريعة لاتهام الرئيس مرسي بالتسبب في أزمة السد حتى الآن.
وبعيدا عن بروباجندا الإعلام المرتزق، فإن كل ما ورد في هذا الاجتماع هو تعبير جاد وحقيقي للرأي العام المصري، وبث ذلك مباشرة كان مقصودا من جانب الرئيس والرئاسة وقتها للأسباب الآتية:
• أولا، ليكون رسالة واضحة الدلالة وغير ملتبسة بأن الموقف الشعبي ينسجم مع الموقف الرسمي، والتأكيد على أن مصر جادة في تهديدها، وأنها مفتوحة على كافة السيناريوهات لحماية حقوقها المائية بما فيها الخيار العسكري؛ دفاعا عن أمن مصر القومي.
• ثانيا، الاجتماع لم يكن كشفا لأسرار الدولة؛ لأن المتحدثين كانوا رؤساء أحزاب وقيادات شعبية ولم يكونوا مسئولين بالحكومة؛ كما أن من الطبيعي التعامل مع التهديد الإثيوبي باعتباره إعلان حرب من جانبها ويجب الرد عليه بنفس المستوى من التهديد؛ وبالتالي فإن الهدف من البث المباشر هو رسالة لإثيوبيا أن الشعب المصري كله مجمع على ضرورة التصدي لأطماعها حتى ولو بالقوة العسكرية.
• ثالثا، أكدت الدكتورة باكينام الشرقاوي، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة ومستشارة الرئيس مرسي وقتها والمشرفة على تنظيم الاجتماع، عبر صفحتها الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" أنه كان مرتبا تسجيل الاجتماع لكن الرئاسة ارتأت بثه على الهواء مباشرة ليكون أكثر وقعا على الجانب الإثيوبي، وكتبت على صفحتها: «كان مرتبا أن يذاع الاجتماع الوطني مسجلا كعادة هذه اللقاءات، ولكن ارتؤي لأهمية موضوع الأمن المائي قبل اللقاء مباشرة إذاعته على الهواء، فغاب عني إبلاغ الحضور بهذا التعديل؛ لذلك أعتذر عن أي حرج غير مقصود لأي من القيادات السياسية سببه عدم الإشارة عن البث المباشر للقاء».

• رابعا، أن الرئيس مرسي عاد وكرر نفس ما ورد بالاجتماع علنا في مؤتمر شعبي بعد ذلك بأيام، حيث جرى تنظيمه تحت عنوان “المؤتمر الوطني للحفاظ على حقوق مصر في مياه نهر النيل”، لطمأنة المصريين بقدرة الدولة المصرية على الحفاظ على مياه النيل، وقال في كلمته أمام المؤتمر، الذي عُقد قبل انقلاب 3 يوليو بثلاثة أسابيع، وعلى الهواء مباشرة، أخطر مما قيل في اجتماع أحزاب المعارضة، وهو التهديد صراحة باستخدام القوة ضد إثيوبيا. وأنه كرئيس لن يسمح مطلقا بأن يهدد أمن مصر المائي وأن نقص قطرة مياه واحدة فإن الدماء هي البديل.
• خامسا، في 30 مارس 2021م، وعندما أدرك السيسي أن الإثيوبيين تلاعبوا به عاد ليهدد بشن حرب تطيح باستقرار المنطقة كلها، وأنه لن يسمح بحجز إثيوبيا للمياه ولكن ذلك جاء بعد فوات الأوان وقد كان أولى به تبني خطاب الرئيس مرسي ومواقفه التي تعاملت بمنتهى الجدية مع التهديد الإثيوبي ولم تقبل بأساليب الخداع والمراوغة؛ لكنه انقلب على الرئيس طمعا في السلطة وضلل المصريين لسنوات، ومكَّن الإثيوبيين من تكريس وجود السد كحقيقة لا تقبل الاعتراض، وبات يتفاوض حول طريقة التخزين والتشغيل وليس على السد ذاته، ورغم ذلك لا يصل إلى شيء!
وللبرهنة على أهمية هذا الحوار الذي جرى تشويهه من جانب إعلام العسكر والدولة العميقة وقتها وحتى يومنا هذا، أن السيسي نفسه اعترف في تصريحات تالية أنه عندما ذهب إلى أديس أبابا وجدهم مرعوبين مما ورد بهذا الحوار، وأنه طمأنهم وأذهب عنهم الروع والخوف ليحصل على ضمانات أثبتت التجربة أنها كانت تطمينات زائفة ومراوغة لاكتساب الاعتراف بالسد من جهة والوقت اللازم لإنشائه من جهة أخرى؛ فحصلوا منه على ما أرادوا؛ الأمن بعدالرعب، ولم يعطوه شيئاً؟! فالرئيس مرسي لم يمنح إثيوبيا موافقة مصر دون قيد أو شرط على بناء سد النهضة، لكن الذي فعل ذلك هو السيسي بالتوقيع على اتفاق المبادئ المشئوم في مارس 2015م بالعاصمة السودانية الخرطوم!
موقف أديس أبابا كان هشا وضعيفا بعد خروج تقرير اللجنة الدولية، ولم تتهم مرسي بإعلان الحرب، ولم تلجأ إلى الإتحاد الإفريقي أو الأمم المتحدة للاعتراض على خطاب مرسي، واكتفت بإطلاق تطمينات لمصر بعدم الضرر، لعلمها أن القانون الدولي لا يعطيها الحق في بناء السد دون موافقة مصر”. لكن السيسي تنازل في يناير 2014 عن وجود الخبراء الدوليين في اللجنة بعد ابتزاز إثيوبي، حتى جرى الإعلان عن توقيع اتفاق المبادئ الذي مثل أهم محطات الخيانة والتفريط في حقوق مصر المائية. ومن وقع عليه هو السيسي وليس الرئيس الشهيد محمد مرسي عليه رحمة الله.

Facebook Comments