أصبحت التكنولوجيا من أهم المستلزمات الأولية اللازمة للتطور والتقدم، حيث تدفع نحو تحقيق التنمية الشاملة، من خلال تعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة، باتباع وسائل وطرق الانتاج المثلي، وتعزيز المهارات البشرية وتطويعها بما يضمن تحسين الإنتاجية وجودتها.

وقد أشارت العديد من الدراسات إلى ان النسبة الكبري من متوسط الزيادة في دخل الفرد الحقيقي في الدول الصناعية تعزي إلى التقدم التكنولوجي، والقليل منها يعزي إلى التراكم الراسمالي، كما أن التقدم التكنولوجي يسرع عملية النمو الاقتصادي والاجتماعي بما يخفف من حدة التخلف والتبعية.

التكنولوجيا هي المصدر المستدام للثروة وليس الموارد الأولية:

تعد القدرة التكنولوجية المتوفرة لمجتمع ما هي المصدر الحقيقي والمستدام لثروته، والركيزة الأساسية التي تأخذ بيد هذا المجتمع نحو التقدم، ويعتبر العلم والتكنولوجيا والإنتاج مكونات ثلاث تؤثر وتتأثر مباشرة وكلية بسياسات وخطط التنمية، فالعلم هو أساس التكنولوجيا، والتكنولوجيا هي الركيزة الأساسية للإنتاج، والإنتاج هو عصب التنمية. وسياسات التنمية هي التي تحدد مسبقاً دور كل مكون من هذه المكونات ونطاق مشاركته في جهود التنمية الشاملة، التي تقتضي التطوير التكنولوجي المستمر الذي يعجل بمعدلاتها، بينما يتدعم هو بمنجزاتها.

ويعكس انتاج التكنولوجيا وتوطينها المستوي المعرفي للمجتمعات، فالتكنولوجيا هي تطبيق المجتمع لمعارفه المختلفة وتوظيفه لها، وتتوطد التكنولوجيا بالممارسة، ولذلك فمتي تم الحصول على التكنولوجيا يتمكن المجتمع من توسيع مدي الانتفاع بها من خلال خلق قدرات صناعية جديدة أو تعديل النظم الانتاجية القديمة، ويشمل الأمر كذلك تطوير الأداء التنظيمي والتسويقي.

وقد أدت التطورات التكنولوجية التي شهدها العالم إلى ظهور فجوات عميقة بين البلدان النامية لا سيما العربية منها وبين البلدان المتقدمة التي تحتكر انتاجاً واستخداماً التكنولوجيات الحديثة،  وذلك بفضل التوسع الدائم في الانفاق علي البحث العلمي ومراكز الابحاث المتخصصة المصنع الرئيس لتلك التكنولوجيا.

مواقع متدنية للدول العربية في المؤشرات التكنولوجية

تصنف التقارير الصادرة عن اليونسكو العالم العربي في "آخر درجات القاع" قياسا بدول العالم المختلفة في مجال التحديث التكنولوجي، ودائما ما تقارن هذه التقارير بين التطوّر التكنولوجي شديد المحدودية في العالم العربي وبين التطور المذهل الذي عرفته دول آسيوية مثل الصين والهند وماليزيا وباكستان وكوريا، وهي دول كانت تعاني فقراً شديداً وكثافة سكانية عالية وانعداماً في الموارد النفطية. 

وعلي سبيل المثال خلت المراكز الخمسين الاولي في مؤشر الابتكار العالمي لعام 2020 من الدول العربية فيما عدا الامارات التي احتلت المركز34، بينما تذيلت دول عربية كبري القائمة حيث شغلت مصر المركز 86 بينما شغلت الجزائر المركز 121، ومن المتداول أن بعض الدول الخليجية استقطبت أساتذة من الخارج ونسبت أبحاثهم لجامعاتها، وهو ما حسن ترتيبها نسبيا خلال الفترة الماضية.

ويُركِّز مؤشر الابتكار العالمي 2020 على تمويل الابتكارات، ويتطرق إلى سُبل تمويل الابتكار بعد جائحة كورونا، وكيفية تشجيع ريادة الأعمال القائمة على الابتكار والنمو الاقتصادي، كما يُناقش تأثير الفجوة بين الدول في تمويل الابتكار على أدائها، ومدى مساهمة آليات التمويل في البيئة الشاملة للابتكار، والحوافز الحكومية لقطاع ريادة الأعمال، وتمويل العلوم والملكية الفكرية كأحد أصول الابتكار، وهي العناصر التي تشير بجلاء إلى اهمال الدول العربية لهذا الملف شديد الخطورة.

ويقاس مؤشر انتشار تكنولوجيا المعلومات في العالم من خلال ثلاث قطاعات هي الأعمال، والأشخاص، والحكومات، ثم يتم حساب متوسط المؤشرات الثلاثة السابقة للحصول على المتوسط العام للانتشار التكنولوجي، وفي المؤشرات الفرعية الثلاث يظهر بوضوح تأخر معظم الدول العربية لاسيما في مؤشر الأعمال الذي يقيس سرعة شبكة الانترنت ونوع التغطية ووصولها للسكان.

والعجيب أن احدي الدول العربية الكبري التي تتميز بموقع جغرافي فريد عندما عرض عليها توطين تكنولوجيا 5G ونقلها للعالم عبر الكابلات البحرية الحديثة، رفضت بذريعة عدم الاستعداد الأمني لمثل هذه التحديثات.

واحتلت دولة قطر المرتبة الأولى عربيا والـ «26» عالميا في مؤشر القوة التكنولوجية الصادر عن مجلة غلوبال فاينانس العالمية والذي يقيس أكثر الدول تقدما في قطاع الاتصالات والتكنولوجيا بين 67 دولة حول العالم، بينما تذيلت معظم الدول العربية المؤشر.

ويعتمد مؤشر القوة التكنولوجية على 4 معايير في ترتيب الدول، وهي أعداد مستخدمي الهواتف الذكية والإنترنت، وشبكات تكنولوجيا الجيل الرابع للاتصالات بالمقارنة مع اجمالي عدد السكان، وكذلك درجة التنافسية الرقمية التي تقيس مدى الاستعداد لتطوير تكنولوجيات جديدة، وأخيراً القدرة على استغلال الابتكارات الجديدة والبناء عليها.

كما تذيلت الدول العربية كذلك مؤشر تنمية تقنيات الاتصالات والمعلومات الذي يعتبر أداة لقياس الفجوة الرقمية ومقارنة أدوات تقنيات الاتصالات والمعلومات ضمن الدولة أو بين عدة دول، فبينما جاءت معظم الدول الخليجية في المراكز الخمسين الاولي، تركزت معظم الدول العربية بعد المركز 80 من بين 176 دولة يقيسهم المؤشر.

يعكس الاستعراض السريع السابق لبعض المؤشرات التي تقيس أوضاع التكنولوجيا في العالم العربي مدي التصحر التكنولوجي الذي تعيشه الدول العربية، الأمر الذي يدفع نحو الاستفهام عن أسباب هذه التصحر، رغم امتلاك معظم الدول العربية لأموال كثيرة واستهلاكها الكثيف لأحدث المنتجات.

غياب الإرادة السياسية أهم أسباب التخلف التكنولوجي

تتركز اجابات المختصين حول التخلف التكنولوجي العربي في تحميل الرشوة والمحسوبية وسوء استغلال السلطة والبيروقراطية وغياب البنية التحتية المسؤولية الأكبر عن غياب التكنولوجيا الوطنية، ويزيد آخرون غياب ثقافة العمل والتنظيم الجماعي وروح الانضباط وحرمان المبدعين من حقوق ملكيتهم الفكرية، ومن وجهة نظري أن غياب الارادة السياسية هو السبب الرئيس الذي تتفرع عنه جملة من الاسباب الفرعية.

فالارادة السياسية هي المسئولة عن تخلف النظم التعليمية لا سيما الجامعية منها، وعن اهمال البنية البحثية، وتتعمد تخفيض مخصصات البحث العملي مقارنة بدول العالم لا سيما الفقيرة منها، وتهمش أساتذة الجامعات وتضعف رواتبهم، وتهمل تحديث ترسانة القوانين المعرقلة للعمل البحثي، وكلها بالاضافة الي الاستبداد عوامل يخضع  تصحيحها لوجهة النظر والارادة السياسية.

لا شك أن هناك قصوراً واضحاً في اهتمام الدول العربية بالعلم والتكنولوجيا وتقدير دورها في عملية التنمية، فقد تتوافر الموارد المالية -كما في حالة بعض الدول العربية- ولكن ذلك لا يكفي وحده لبناء تكنولوجيا محلية، ولأن التكنولوجيا أضحت موردأ استراتيجياً وليس اقتصادياً فقط، فانه يتعين علي العالم العربي الهرولة نحو عملية إصلاح شامل تتجه إلى تغيير السياسات وأنماط التفكير وأساليب الإدارة، والابتعاد عن العشوائية والارتجال.

الارادة السياسية ان وجدت قادرة علي الموازنة بين المصالح الوطنية والضغوط الخارجية، من خلال تعزيز دور الدولة بكل أبعاده الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، والعمل علي رسم ملامح  واستراتيجيات المستقبل، بعيدا عن التبعية، وانطلاقاً من مبدأ الاكتفاء الذاتي والاعتماد العربي على الذات. 

وباختصار، شروط التحدي العربي لظاهرة  التبعيىة التكنولوجية  متعددة، ولكنه وقت الصحوة المطلوبة والرؤية الثاقبة والرشد المنتظر.

………………………………..

*الكاتب أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر 

*نقلا عن موقع "ترك برس"

Facebook Comments