لا يكف جنرال الانقلاب عبدالفتاح السيسي عن نشر أكاذيبه بين الناس بشأن مسئولية ثورة 25 يناير 2011م عن أزمة سد النهضة، معتمدا في الترويج لهذه الأكاذيب على الآلة الإعلامية الضخمة التي تديرها أجهزته المخابراتية والأمنية، وكان آخر هذه الأكاذيب يوم الأربعاء الماضي "7 أبريل 2021م" خلال افتتاح مركز إصدار الوثائق المؤمنة، حيث قال إن قلقه على مياه النيل بدأ منذ عام 2011 وبالتحديد يوم 25 يناير، وهو اليوم الذي انطلقت فيه الثورة الشعبية التي أطاحت بالرئيس الأسبق حسني مبارك بعد 30 عاما قضاها في السلطة. وعادة ما يربط السيسي بين ثورة يناير وبين سد النهضة، لكن الاتهام الأكثر وضوحا جاء في سبتمبر عام 2019 خلال إحدى مؤتمرات الشباب، حيث أعلن بوضوح أنه لولا ما جرى في عام 2011 (يقصد ثورة يناير)، ما أقدمت إثيوبيا على بناء سد النهضة. وخلال المؤتمر قال السيسي: «سأقول لكم عن غلطة واحدة أو ثمن واحد دفعناه وسندفعه، 2011 (في إشارة إلى الثورة) لم يكن أبدًا تبنى سدود على نهر النيل إلا بها». لكن الهدف من هذه التصريحات ليس كشفا للحقيقة بل هي أكاذيب وافتراءات لسبب واحد هو خوف السيسي من ثورة شعبية جديدة تقضي على نظامه الاستبدادي وهو نفسه اعترف بذلك في ذات التصريحات خلال المؤتمر «محذرا من احتمال اندلاع ثورة جديدة بقوله “والأخطر منه إنكم تكرروه تاني (اندلاع ثورة جديدة)”. وتابع السيسي، الذي كان مديرًا للمخابرات الحربية آنذاك “أنا قلت 2011 فقط ليه (لماذا) لأني جبتلكم (تحدثت إليكم عن) نقطة واحدة وتقولوا لي: حل يا سيسي وهات لنا الميه (حل أزمة المياه) أنتم (المصريون) عملتم كده (من فعل ذلك)”. وهي التصريحات التي تلقي بالمسئولية على الشعب وثورته العظيمة؛ في محاولة من جانب السيسي للتغطية على فشله من جهة وتهربه من المسئولية عن أزمة سد النهضة من جهة أخرى.
تكشف تصريحات السيسي عن مغالطة يحاول تمريرها، إذ على الرغم من أن الإعلان عن بناء سد النهضة بدأ في أبريل 2011، بعد اندلاع ثورة يناير، إلا أن الخطط الإثيوبية وتصميمات السد والدراسات المتعلقة به بدأت قبل ذلك بسنوات. كما أن المجلس العسكري، الذي كان السيسي أحد أبرز أعضائه، هو من يحكم مصر في ذلك الوقت ولمدة عام ونصف حتى منتصف 2012م. وخلال هذه الفترة الانتقالية انشغل المجلس العسكري وباقي مؤسسات الدولة التي تسيطر عليها مافيا الدولة العميقة الموازية وغير المنتخبة (الجيش ــ المخابرات ــ أمن الدولة ـ القضاء ـ الإعلام) بكيفية إفشال الثورة واسترداد نفوذهم بدلا من حماية حقوق مصر المائية وحدودها ومكانتها الإستراتيجية، وهو ما تكلل بانقلاب 3 يوليو 2013م.
انقلاب الجنرال عبدالفتاح السيسي على الرئيس المنتخب الشهيد الدكتور محمد مرسي والمسار الديمقراطي الوليد بعد ثورة 25 يناير 2011م، أضعف الموقف المصري بشكل عام وفي أزمة سد النهضة مع أثيوبيا بشكل خاص؛ حيث جرى تعليق عضوية مصر في الإتحاد الإفريقي بعد الانقلاب بيومين (5 يوليو 2013م)بسبب انتزاع السلطة بشكل غير دستوري "انقلاب عسكري"، وهو الإجراء الذي وظفته أديس أبابا لصالحها لاحقا؛ حيث ساومت السيسي وابتزته ليعترف بالسد مقابل الاعتراف بشرعية انقلابه من جانب الاتحاد الإفريقي وعودة مصر إلى الاتحاد مرة أخرى. وهو ما جرى بالفعل في 17 يونيو 2014م بعد تنصيب السيسي بمسرحية انتخابية نافسته فيها الأصوات الباطلة؛ وفي 23 مارس 2015م وقَّع السيسي اتفاق المبادئ مع أثيوبيا والسودان معترفا بشرعية السد؛ ما يبرهن على أن السيسي منح الأولية لأطماعه في السلطة على حساب مصر وشعبها وحقوقها المائية.
الأمر الآخر، أن اللجنة الدولية لتقييم الدراسات الإثيوبية لسد النهضة والتي جرى التوافق عليها بين الدول الثلاث في 29 نوفمبر 2011م، وكانت تضم خبيرين من كل دولة(مصر ـ السودان ـإثيوبيا) وأربعة خبراء أجانب محايدين، ومتخصصين في مجالات هندسة السدود والموارد المائية، وتأثيرات السدود على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. وهي اللجنة التي بدأت عملها في مايو 2012، وأنجزت تقريرها النهائي في 31 مايو 2013م، كشف التقرير النهائي الذي أصدرته عن وجود سلبيات خطيرة في التصميمات الإنشائية، وقالت اللجنة إن التصميمات الإنشائية التى قدمتها إثيوبيا عن السد هي تصميمات أولية وسطحية، ولا تختص بالمشروع نفسه ولا موقعه الحالي، ولا ترقى لمستوى الدراسات المطلوبة لسد بهذا الحجم الضخم، وأن بعض هذه الدراسات قد وضعت بعد البدء في بناء السد وأثناء عمل اللجنة. وأثبت التقرير أن حكومة إثيوبيا تخفي كثيرا من المعلومات الحيوية عن السد وتتعامل معها بسرية تامة، وأوصى الخبراء بضرورة وضع تصميمات جديدة للسد، وإتاحة كل المعلومات المتعلقة ببناء السد، وإجراء دراسات إنشائية وبيئية واقتصادية جادة وحديثة، وقد أقرت إثيوبيا بما ورد في التقرير، ووقّع الخبيران الإثيوبيان عليه كاملًا.

في اعقاب الانقلاب مباشرة تنازل السيسي عن وجود الخبراء الأجانب في اللجنة استجابة لضغوط أديس أبابا؛ الأمر الذي فرغ اللجنة من قيمتها لوجود خبراء أجانب محايدين. لكن الأكثر خطورة أنه بناء على تقرير هذه اللجنة أصدر كل من الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين والبنك الدولي في 23 أبريل 2014م قرارا مفاجئا بوقف تمويل السد الإثيوبي، على اعتبار أن هذا الاستثمار غير آمن لوجود خلافات مع دولتي المصب -مصر والسودان- وهو الأمر الذي أربك القيادة الإثيوبية إلى أبعد حد، وتوقف العمل تماماً في العمليات التمهيدية للبناء، وفي ذلك الحين أكدت وزارة الري المصرية في تعليقها: أن وزارة الخارجية خاضت معركة دبلوماسية شاقة من أجل استصدار هذا القرار، وإقناع هذه الدول والبنك الدولي بوقف تمويل السد، لما سيوقعه من أضرار جسيمة على مصر، وبالفعل تم تجميد قروض دولية بقيمة ٣،٧ مليار دولار. وكان ذلك يعني أن أثيوبيا فقدت الكثير من قدرتها على استكمال بناء السد حتى فاجأ السيسي الجميع بالتوقيع على اتفاق المبادئ الذي منح السد المشروعية القانونية ومنح أديس أبابا القدرة على الحصول على تمويلات ضخمة لبناء السد.
الخلاصة أن السيسي هو الذي منح أثيوبيا نهر النيل هدية مجانية من أجل أطماعه في السلطة والحصول على شرعية الاتحاد الأفريقي لنظامه الانقلابي؛ فهل عرفتم حجم الكارثية التي تسبب فيها السيسي وانقلابه المشئوم على مصر وشعبها وحقوقها المائية وأمنها القومي؟! فالرئيس الشهيد الدكتور محمد مرسي لم يمنح إثيوبيا موافقة مصر دون قيد أو شرط على بناء سد النهضة، لكن الذي فعل ذلك هو السيسي بالتوقيع على اتفاق المبادئ المشئوم في مارس 2015م بالعاصمة السودانية الخرطوم!

Facebook Comments