حرص الجزء الأول من مسلسل "الاختيار" على تلميع صورة المؤسسة العسكرية وتصويرها بأنها الوحيدة التي حملت على عاتقها مهمة إنقاذ البلاد من أتون حرب أهلية غير معلومة المدى، بخلاف اختصار رمزية الدولة في كيانها العسكري فقط، بجانب شيطنة كل من يفكر في معارضة انقلاب العسكر ونعته بتهم الإرهاب والتطرف.
حتى إن ناشطا كان مؤيدا للانقلاب مثل الاستشاري ممدوح حمزة كتب تغريدة قال فيها :"لم اشاهد أي من مسلسلات رمضان ولكن شاهدت الإعلانات عنها وبها مقتطفات.. هذا ليس مجتمعنا وليس شبابنا ونسائنا.. إنه نوعية المجتمع والضياع الذي ترغب السلطة المتحكمة أن نصل إليه وهذا متوافق تماما مع معظم أفعالهم الأخرى".

خيال عسكري!
أما الجزء الثاني من "الاختيار" الذي يعرض حاليا، فلا يعدو كونه ترجمة درامية خيالية لكلمات السفاح السيسي ورموز عصابته عن الأدوار البطولية للمؤسسة الأمنية في التصدي لـ"دولة الخلافة" التي كان يريدها الإسلاميون، على حد قولهم.
وعليه فإن المشاهد أمام نوع جديد من الدعاية السياسية المباشرة والواضحة، لكن بشكل أكثر فجاجة مما هو معتاد، إذ استطاع توظيف الحدث بشكل سياسي محكم، مستخدما عددا من مشاهير النجوم بجانب استخدام لغة الإبهار في التصوير والإخراج والإنتاج في ظل ميزانية مفتوحة.
وتتعاظم الدعاية السياسية لهذا العمل من خلال رغبة القائمين عليه، شركة سينرجي التابعة للمخابرات، في اختراع ذاكرة مجتمعية جديدة، دعائمها الأساسية النظام والسفاح السيسي والمؤسسة العسكرية، وتجميل صورتهم بشكل لا يمكن منافسة أي تيار آخر لهم، تزامنا مع إشعال النار في الذاكرة المعاصرة كون الأحداث التي تناولها العمل ما زالت حية وتفاصيلها محفورة في ذاكرة المجتمع.

أكاذيب بلا حصر
زعم مسلسل "الاختيار" أن قوات شرطة الانقلاب وفرت ممرا آمنا للمعتصمين خلال مجزرة فض اعتصامي رابعة والنهضة من أجل المرور خلاله دون التعرض لهم، وهو محض كذب؛ فوفق شهود عيان لم يسلم أحد خلال مروره من تلك الممرات التي أسموها بـ"الممرات الآمنة" فمن كان يمر بها إما أن يقنص ويقتل في الحال أو يتم اعتقاله. 
وزعم المسلسل أن المعتصمين بدؤوا بإطلاق النيران صوب قوات الأمن وهو ما دفعهم للتدخل بالأسلحة للفض، وهو أمر غير حقيقي؛ وطبقا للتقارير الحقوقية والمراقبين تم ارتقاء أول شهيد في تمام السابعة صباحا بمجرد أن تم اقتحام الميدان كما أن عملية الفض بدأت مباشرة بالقنص والرصاص الحي، كما لم تتوافر أي فيديوهات أو صور تؤيد صحة ما ساقه البعض بأن المتظاهرين هم من بدؤوا بإطلاق النيران.
من بين أكاذيب المسلسل حول مجزرة فض اعتصامي "رابعة" و"النهضة" أن الجيش لم يكن مشتركا في عملية الفض؛ والحقيقة أن قوات الجيش كانت موجودة جنبا إلى جنب مع قوات الشرطة منذ أول لحظة وسجلت لقطات فيديوهات وأخرى فوتوغرافية لمدرعات الجيش وهي تقتحم الميدان وتطلق النيران.
ساق المسلسل أكذوبة عن فض اعتصام رابعة ألا وهي أنهم اكتشفوا وجود جثث مدفونة أسفل منصة"رابعة" زاعمين أن المعتصمين قاموا بقتل أصحاب تلك الجثث ودفنها أسفل المنصة، وهي "افتكاسة" اخترعها أحمد موسى ونالت نصيبها من السخرية إلا أن فريق العمل لجأ إليها رغم كذبها الواضح، فالجثث التي أظهرها إعلام الانقلاب كان جثث المعتصمين الذي تم قتلهم برصاص الجيش والشرطة، وقد أجرت قناة "الجزيرة مباشر مصر" تحقيقا استقصائيا بعنوان:" تحت المنصة" كشف التلفيق والزيف الذي مارسه إعلام الانقلاب بشأن تلك الجثث.
كما زعم المسلسل أن المعتصمين خلال فض الاعتصام قاموا بحرق مسجد "رابعة العدوية" من أجل "إخفاء جرائمهم"؛ في حين أن كافة الصور والفيديوهات تظهر الطائرات التي استخدمتها ميلشيات الانقلاب لفض الميدان ولحرق المسجد والمنصة بشكل كامل.

وكانت "مية النار" من أشهر الأكاذيب التي روجها المسلسل، والتي زعم أن الحاجة سامية شنن سقتها لأحد اللواءات الذين قتلوا خلال محاولة اقتحام قرية كرداسة، حيث أكد المستشار شيرين فهمي في حكمه على أهالي كرداسة في تلك القضية أنه لا صحة إطلاقا لشائعة "مية النار" مطالبا وسائل الإعلام بعدم ترديدها؛ إلا أن فريق "الاختيار" قرر الاستعانة بها لجلب تعاطف المشاهدين.  

Facebook Comments