نشر موقع "ميدل إيست آي" البريطاني مقالا للمحلل السياسي ماجد مندور سلط خلاله الضوء على مسلسل (الاختيار2 ) والذي يدور حول مذبحة فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة. واعتبر مندور أن عبدالفتاح السيسي، قائد الانقلاب العسكري، حول مذبحة رابعة إلى أسطورة لإحكام سيطرته على السلطة، مضيفا أن هذه المذبحة ستلقي بظلال طويلة لا مفر منها على المجتمع والسياسة المصرية.
وبحسب المقال، بثت فضائيات الانقلاب الحلقة الخامسة من مسلسل "الاختيار 2" والتي تصور أحداث فض الاعتصام السلمي في ميدان رابعة العدوية عام 2013، والذي أدى إلى القتل الجماعي لما لا يقل عن 817 متظاهرا – من المرجح أن يكون عددهم أكثر من 1000 متظاهر. وأضاف أن المسلسل من إنتاج شركة سينرجي، وهي شركة مملوكة بشكل غير مباشر وتسيطر عليها أجهزة الاستخبارات المصرية، ونتيجة لذلك، تعكس الرواية – التي تصور المتظاهرين على أنها مسلحة ومتعصبة، في حين تظهر قوات أمن الانقلاب مستويات عالية من ضبط النفس – الرواية شبه الرسمية للنظام.
وأوضح مندور أن اختيار تمثيل أسوأ مذبحة في تاريخ مصر الحديث، وهو حدث استقطابي عميق، قد يبدو غريبا – لكن هذه المذبحة هي حدث أساسي للنظام، والأسطورة التي بنيت حوله ذات أهمية قصوى. وأشار إلى أنه قبل أن ترتكب قوات أمن الانقلاب مذبحة رابعة في أغسطس 2013، دعا عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع آنذاك، إلى احتجاجات حاشدة بدعوى تفويضه لـ"مكافحة الإرهاب" – في إشارة واضحة إلى الفض القسري لاعتصام جماعة الإخوان المسلمين، وترافقت هذه الدعوة مع حملة دعائية جماهيرية مفادها أن الاعتصام كان مسلحا، وأن المتظاهرين كانوا يختطفون المواطنين ويعذبونهم.

القتل الجماعي
ولفت إلى أن هذا العمل الأولي للقتل الطائفي قد أوجد صلة عضوية بين النظام وشريحة كبيرة من السكان تغاضت عن المذبحة ودعمتها بنشاط، وقد استخدم نفس التبرير المستخدم لقمع جماعة الإخوان المسلمين في وقت لاحق ضد المعارضة العلمانية والناشطين، مضيفا أن هذا العمل من القتل الطائفي كان له أسس أيديولوجية في الناصرية وعلامة القومية العربية التي روجت لها، وعندما تظهر الأمة إرادتها الشعبية من خلال الجيش، يصبح ذلك تجسيدا للروح الوطنية، وهذا لا يرسي الأساس لشكل متطرف من أشكال القومية الشوفينية فحسب، بل يبرر أيضا القمع الجماعي للمعارضين السياسيين والأقليات.
وتابع: "في وقت المذبحة، كان ينظر إلى جماعة الإخوان المسلمين على أنها "خارج" الأمة، مما يبرر قمعها الجماعي. واعتبر الشقاق عن "الإرادة الشعبية" تهديدا وجوديا لفكرة الدولة العضوية التي تجمعها مفاهيم غامضة وسيئة الشكل للهوية الوطنية، وقد استخدم هذا الأساس الإيديولوجي في وقت لاحق لقمع المعارضة العلمانية والحركة النسوية المزدهرة وغيرها، مع تصوير "الإرادة الشعبية" للأمة على أنها محافظة اجتماعيا وأبوية عميقة.

قيمة رمزية
وأكد مندور أن المذبحة كان لها قيمة رمزية، حيث تنافست مع تلك التي وقعت في 28 يناير 2011، عندما تمكن المتظاهرون من هزيمة قوات الأمن والمطالبة علنا بمساحة عامة للمرة الأولى منذ عقود. وفي جوهرها، كانت المذبحة انعكاسا لذلك الحدث واستعادت قوات الأمن الحيز العام من خلال أعمال عنف مذهلة ورمزية، بما في ذلك ما بدا أنه سياسة منهجية لإلحاق أكبر عدد ممكن من الضحايا، مضيفا أن مشهد العنف كان بمثابة رسالة واضحة مفادها أن القفازات كانت منزوعة ولن يسمح بتكرار أحداث 28 يناير، مهما كان عدد القتلى باهظا، وكان ذلك تصعيدا للعنف مع إمكانية منافسة سوريا، مع عمليات قتل جماعية وعشوائية للمدنيين السلميين المشتبه في أنهم أعضاء في المعارضة.
ومنذ تلك اللحظة فصاعدا، استعاد الانقلاب الحيز العام – وهو مستوى من السيطرة سيتم تقنينه من خلال قانون مناهضة الاحتجاج الذي تمت الموافقة عليه في نوفمبر 2013 عندما طارد شبح الاحتجاجات الجماهيرية النظام مرة أخرى في سبتمبر 2019، التقى السيسي بمؤيديه في نفس المكان الذي ذبح فيه خصومه في عام 2013: ميدان رابعة.
وأردف:" أن عواقب المذبحة هي كثيرة وطويلة الأمد، وتضع الأسس لنظام سياسي مستقطب بعمق، وقد جعلت المذبحة من المستحيل على جماعة الإخوان المسلمين قبول الواقع السياسي الجديد أو الانخراط في العملية السياسية، لأن أي محاولة من هذا القبيل من قبل القيادة كان يمكن أن تؤدي إلى حل الجماعة وسط ضغوط من قاعدتها". وأكمل:"بعد المذبحة، تم استبعاد الإخوان أيضا من العملية السياسية، ثم صنفوا فيما بعد كجماعة إرهابية وقد سمح هذا الاستقطاب للنظام بإزالة السياسة بشكل أساسي، وتصوير الخلافات السياسية على أنها صراع ملحمي بين الأمة، التي تجسدت على أنها النظام، ومعارضوه، الذين سيسميهم السيسي فيما بعد "أهل الشر" وقد سمح ذلك للنظام بتوسيع نطاق قمعه ليشمل جميع جماعات المعارضة، بدعم شعبي واسع النطاق".

تعزيز المنطق
واستطرد:"كما سمح ذلك للنظام بالتغاضي عن فشله في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، حيث تم تصوير المعارضة لأي من سياساته على أنها مؤامرة من قبل قوى الشر في تحالف مع الإخوان المسلمين لتدمير الأمة، وقد خلق هذا المنطق المعزز حالة طوارئ مستمرة، مما سمح للنظام بتعميق قمعه"، مضيفا أن النظام يحتاج إلى أعداء ومؤامرات مستمرة لتبرير قبضته على السلطة، وأعمال القمع الجماعية ضرورية لإثبات وجود هؤلاء الأعداء لقاعدته.
واختتم قائلا:"من الصعب فهم التكاليف الاجتماعية والصدمات الشخصية الثقيلة التي تطارد ضحايا المذبحة ولا يمكن التغلب عليها إلا بحساب الماضي وعملية مصالحة عميقة، وهو أمر غير ممكن في الظروف الراهنة، ولكن إلى أن يحدث ذلك، ستستمر المذبحة في إلقاء ظلال طويلة لا مفر منها على المجتمع والسياسة المصرية".
https://www.middleeasteye.net/opinion/rabaa-massacre-foundational-event-sisi-regime

Facebook Comments