يأتي مشروع التعديلات التي تقدمت بها حكومة الانقلاب لمجلس نواب العسكر بشأن قانون صندوق«تحيا مصر» والتي تتضمن إعفاء عوائده والتسهيلات الممنوحة له من جميع الضرائب والرسوم أيا كان نوعها، المفروضة حاليا أو التي تُفرض مستقبلا، بقانون أو بقرار من الحكومة أو من أي سلطة عامة أخرى. وهي التعديلات التي تمنح الصندوق وضعا استثنائيا بامتيازات لا نهائية لم تتوفر لأية جهة حكومية أخرى باستثناء القوات المسلحة والأجهزة التابعة لها، خاصة في ظل تمتع أموال الصندوق وعوائد استثمار أمواله بحصانة تجاه الإجراءات الرقابية.
وبدا مجلس النواب يوم الثلاثاء 27 إبريل 2021م مناقشة مشروع قانون حكومة الانقلاب بتعديل بعض أحكام القانون رقم 84 لسنة 2015 بإنشاء صندوق "تحيا مصر". الإعفاءات التي وافقت اللجنة البرلمانية المشتركة على منحها للصندوق شملت «ضريبة القيمة المُضافة» إلى جانب جميع الرسوم والضرائب المباشرة، وضرائب الدخل والدمغة ورسم تنمية الموارد المنصوص عليها في القانون بنسخته الثانية الصادرة في يوليو 2015 والسارية حتى الآن، ورسوم الشهر العقاري، والتوثيق، والتصديق على التوقيع، التي يقع عبء أدائها عليه، وأية عقود باختلاف أنواعها يكون "تحيا مصر" طرفًا فيها، كما تضمنت كذلك إعفائه من الرسوم الجمركية كافة، ورسوم المناطق الحرة لكل ما يستورده من معدات وأجهزة ومستلزمات وأي أصناف أخرى لازمة لأعماله، وكل ما يرد إليه من الهدايا، إضافة إلى التبرعات والمنح الخارجية.
وتضمن التعديل الذي أقرّته اللجنة على المادة الثامنة من قانون الصندوق، إلزامه بدفع ضريبة وحيدة عن عوائد أذون الخزانة والسندات (أدوات دين حكومي)، أو الأرباح الرأسمالية إذا ما قرر الصندوق التعامل في هذه الأذون في حال استثمار أمواله في شرائها والاستفادة من فوائدها.
الهدف من الإعفاءات الجديدة حدده النائب محمد بدراوي، عضو لجنة الخطة والموازنة، في أن «الصندوق مُعفى من الضرائب والرسوم بالفعل، ولكن توسع أنشطته وامتلاكه لأراض ومشروعات مختلفة، واستيراده لأجهزة ومستلزمات طبية من الخارج، وتلقيه تبرعات من خارج البلاد وغيرها، أظهر حاجته لمزيد من الإعفاءات».
وأشار بدراوي في تصريحات صحفية، إلى أنه خلال اﻷشهر الماضية، وعند استيراد مسؤولي الصندوق أجهزة ومستلزمات طبية خاصة بعلاج الفشل الكلوي والوقاية من «كورونا» وغيرها بأموال الصندوق لصالح عدد من المستشفيات والمؤسسات، فوجئوا بفرض مصلحة الجمارك رسوم على تلك الأجهزة والمستلزمات، بحجة أن الصندوق مُعفى من الضرائب والرسوم ولكن الجهات التي يشتري لها ليست معفية، وهو ما اعتبره بدراوي معطلًا للأنشطة الخيرية والأهلية التي يقوم بها «تحيا مصر».
ولكن أنشطة الصندوق لا تتوقف على الأعمال الخيرية والأهلية، وإنما تمتد إلى الأعمال الربحية والاستثمارات، إذ يكفل له قانونه الحق في إنشاء شركات مملوكة ملكية تامة له، أو المساهمة في رأس مال شركات أخرى سواء كانت مملوكة للقطاع العام أو الخاص، وهو ما سبق وتم بالفعل، بالإعلان عن إنشاء شركة «تحيا مصر» القابضة للاستثمار في يونيو 2018، والتي أصبحت تمتلك ست شركات في مجالات متنوعة بعد عام واحد فقط من إنشائها، ما بين صناعة أدوية السرطان «We can»، و«مصر للإدارة التعليمية» لإنشاء وإدارة مدارس النيل الدولية، والتسويق الإلكتروني «Eg gate»، إضافة إلى «أسواق مصر إكسبريس» للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وضمن مشاريعها «شارع مصر 306»، و«Evcc» لتطوير الصناعة والمصانع المتعثرة، و«BM Lease» لتمويل المشروعات.
ويمثل تعديل القانون بمثابة ترجيح من السلطة لكفة الشركات التي ينشئها الصندوق -سواء كانت هادفة للربح أو خيرية- ووضعها في منافسة غير عادلة مع منافسيها. فالمميزات التي يحصل عليها «تحيا مصر» من النص الجديد «لا مثيل لها إلا تلك الممنوحة للقوات المسلحة» ، فهذه أول مرة نرى نصًا يمنح مميزات شاملة على هذا النحو، لأن كل الجهات العامة قد تتمتع ببعض المميزات الضريبية في بعض الأحيان، لكن ليس إلى هذا الحد وبهذا الشمول..فالجمعيات الخيرية غير الهادفة للربح -والتي قد تشترك مع «تحيا مصر» في بعض الأهداف التنموية والخيرية- تشترك مع الصندوق في إعفائها من ضريبة الدخل، ولكنها لا تتمتع بإعفاء من «القيمة المُضافة» مثلًا، كما أنها تتمتع بإعفاء من بعض الرسوم شأن الصندوق، لكن لا يتوفر لها كل هذا التحصين من الخضوع لأي رسوم أو ضرائب في المستقبل كما هو الحال مع «تحيا مصر».
كما أن إعفاء عوائد «تحيا مصر» والشركات التي ينشئها من ضريبة القيمة المضافة يُعد خرقا لقاعدة سائدة تقوم عليها تلك الضريبة والتي تستهدف خضوع كل الجهات لها -باستثناء القوات المسلحة والشركات التابعة لها- وقصر الإعفاء منها على طبيعة السلع أو الخدمات لا الجهة المستفيدة منها، كما هي الحال في ما يتعلق بخدمات التدريب والتعليم مثلًا وسلع كالأدوية والشاي والسكر على سبيل المثال..

فبموجب التعديل المقترح على القانون يتمتع «تحيا مصر» بإعفاء من ضريبة القيمة المُضافة بغض النظر عن طبيعة السلع والخدمات التي يتعامل معها الصندوق.
وبحسب خبراء فإن الأزمة ليست في الاعفاءات اللانهائية التي تتمتع بها أنشطة الصندوق، وإنما في إحاطة كل ما يتعلق به بالسرية والغموض، إذ إن كثيرا ممَن يتبرعون للصندوق مؤخرا إما رجال أعمال لديهم منازعات ضريبية يتحررون منها بالتبرع للصندوق، أو راغبين في التقرب من السلطة، عبر الصندوق كباب خلفي.
ويصف قانون تأسيس الصندوق أمواله بالعامة، ما يعطي للمتبرع ميزة خصم الأموال التي يتبرع بها لـ«تحيا مصر» من الوعاء الضريبي له دون حد أقصى.
وعلى الرغم من إعلان الصندوق وإدارته أن أمواله أموال عامة، إلا أن الأغرب هو عدم إتاحة الصندوق لموارده المالية والتبرعات التي يحصل عليها من الداخل والخارج للرأي العام، طالما أن الهدف منه تنموي وخدمي بالأساس، مشددًا على أن الدولة تلزم منظمات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية بالكشف عن أرصدتها وحجم التبرعات التي تصلها، وفي المقابل لا يعرف أحد حصيلة أموال «تحيا مصر» الذي يصرّف السيسي شؤونه المالية والإدارية، ولا تراقب أجهزة الدولة الرقابية أوجه إنفاقها.
ويعود تأسيس «تحيا مصر» إلى يوليو 2014، حين أعلنت رئاسة الجمهورية تدشينه تحت الإشراف المباشر لعبد الفتاح السيسي على أن يخضع لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات، وهو ما نص عليه قانون تأسيسه الصادر في نوفمبر من نفس العام، غير أن تلك الرقابة لم تستمر، حيث أصدر السيسي في يوليو 2015 نسخة ثانية من القانون ألغت رقابة الجهاز المركزي للمحاسبات، وقصرت دوره على إعداد «مؤشرات» عن الأداء بناءً على قوائم مالية يعدها الصندوق بمعرفة أحد مكاتب المحاسبة يختاره مجلس أمناء الصندوق.
كما فسّرت هذه النسخة النص الخاص بـ«تمتع الصندوق برعاية رئيس الجمهورية وعنايته» في منحه وحده سلطة تحديد أسلوب الإشراف على الصندوق وإدارته وتصريف شؤونه المالية والإدارية «دون التقيد بالنظم الحكومية المنصوص عليها في أي قانون آخر»؛ وهو ما يؤكد أنه مال سايب يتصرف فيه السيسي كيف يشأ ويعتبر بوابة للتستر على الفساد واسترضاء السلطة على المتبرعين الذين قد يكون بعضهم متورطا بقضايا فساد كبرى يجري ردمها بمجرد التبرع للصندوق "اللغز" الذي يعد بمثابة صندوق أسود للسيسي.

Facebook Comments