اعتمد الطاغية عبدالفتاح السيسي على نظرية «صناعة العدو» للتمهيد لانقلابه المدعوم إقليميا وأمريكيا، حيث تمت شيطنة جماعة الإخوان وحزب الحرية والعدالة الذي فاز بثقة الشعب في كل الاستحقاقات النزيهة بعد ثورة 25 يناير. ولإدراكه أن الجماعة وصلت إلى السلطة عبر أدوات الديمقراطية وصناديق الانتخابات، اعتمد السيسي على توظيف مصطلح "الإرهاب" وربطه بالجماعة من أجل تبرير جريمة الانقلاب من جهة وما تلاه من مذابح دموية و حشية؛ ولذلك دعا في 26 يوليو 2013م إلى منحه تفويضا بالحرب ضد ما يسمى بالإرهاب المحتمل؛ وبعد سنوات قليلة من انقلابه تحول الإرهاب المحتمل إلى وحش تعجز المؤسسة العسكرية المصرية بما لديها من ترسانة ضخمة وقدرات هائلة وكذلك الأجهزة الأمنية والمخابراتية عن دحر عدة مئات من المسلحين بحسب تقديرات النظام نفسه؛ وقتل حوالي 8 آلاف مصري في هذه الحرب العبثية ولا تزال الحرب قائمة لأن بقاءها واستمرارها يحقق للنظام عدة فوائد كبيرة حتى لو كانت هذه الحرب تهدد الأمن القومي المصري وتعصف به.
وتذهب تفسيرات رصينة إلى أن المبالغة والتضخيم في مصطلح "الإرهاب" وإضفاء القداسة على الحرب التي تشن عليه باعتباره العدو هو في حد ذاته، حاجة ضرورية لنظام 30 يونيو؛ لأسباب عديدة، أهمها، أن النظام يسوق نفسه أمام الأمريكان والغرب باعتبارها رأس حربة ضد "الإرهاب" الذي يخشاه الغرب كثيرا، وثانيا، تكتسب هذه النظم بوجوده أو صناعته وتضخيمه شرعية مفقودة، وثالثا، تخلط به هذه النظم الأوراق بين التنظيمات المسلحة “داعش والقاعدة” والحركات الإسلامية المعتدلة المؤمنة بالحريات والانتخابات والتداول السلمي للسلطة مثل جماعة الإخوان المسلمين وحماس والجماعة الإسلامية وغيرها، كما توظف هذه النظم وجود مثل هذه التنظيمات الدموية (داعش/ ولاية سيناء) لإسكات معارضيها بحجة قدسية الحرب على الإرهاب وممارسة انتهاكات صارخة ومصادرة الحريات وتكريس الاستبداد بهذه الحجة الملفقة والشماعة الجاهزة.
كما يحقق نظام 30 يونيو من استمرار الحرب على الإرهاب خلال المرحلة الراهنة ترميما لشعبية الجنرال السيسي التي تآكلت بفعل السياسات الخاطئة والفشل المتواصل في كل الملفات السياسة والاقتصادية، كما تمنح الجنرال ذريعة تمكنه من فرض هيمنته على المشهد السياسي والإعلامي وإسكات أصوات منتقديه ومعارضيه بحجة التفرغ للحرب على الإرهاب. ويمثل استمرار العمليات كذلك غطاء ممتازا لفشل العملية السياسية وسحق كل من يفكر في منافسة الجنرال كما جرى مع الفريق شفيق وسامي عنان وغيرهم قبل مسرحية الرئاسة 2018م. معنى هذا أن الحرب ستظل مفتوحة لتؤدي دورها السياسي المطلوب وهو القضاء على الحياة السياسية”، فالقضاء على الإرهاب يعني بث الروح في الحياة السياسية وهي خطر داهم على النظام الفاشي، وعندما يستمر ويعلو صوت المعركة ضد الإرهاب تستطيع إسكات كل الأصوات والزج بأصحابها خلف القضبان”.
ويذهب آخرون إلى اتهام سلطات نظام 30 يونيو العسكر الانقلابي بافتعال معركة التطرف الديني والإرهاب باسم الدين، مؤكدين أن «وراء هذه الحرب المفتعلة «مافيا» تسترزق من ورائها ولا تريد لها أن تتوقف أبدا بل سيقاومون حتى النهاية من أجل سبوبة الاسترزاق». هذه المافيا التي تقف وراء استمرار الحرب على ما يسمى بالإرهاب وتطالب بتمديدها رغم أنها مستمرة منذ سنوات دون قدرة على الحسم، تتشكل من جنرالات كبار في الجيش والشرطة وتضم قضاة وإعلاميين ورجال أعمال ومراكز بحث وأصحاب أجندات تستهدف استمرار حالة النزيف الذي يفضي في النهاية إلى إضعاف مصر ودخولها في دوامة لا تتوقف، وربما يستهدف البعض جزأرة المشهد المصري أو تدحرجه إلى السيناريو السوري أو الليبي تحت مزاعم أزمة الخطاب الديني.
يستهدف السيسي من وراء هذه الحرب المفتعلة على ما يسمى "الإرهاب" التغطية على فشله وتراجع دور مصر الإقليمي من خلال الفشل في 3 ملفات شديدة الأهمية للأمن القومي المصري، الملف الأول هو فشل مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن سد النهضة؛ حيث تصر أديس أبابا على الملء الثاني للسد في يوليو المقبل "2021م" دون اتفاق ملزم مع دولتي المصب. وقد أهدر السيسي حقوق مصر المائية بتوقيعه اتفاق المبادئ في 21 مارس 2015م والذي شرعن بناء السد رغم أنه يخالف القانون الدولي. فبدلا من التركيز على العدو الأهم "أثيوبيا" التي تهدد الأمن القومي المصري حقيقة لا ادعاء؛ راح نظام السيسي يهمش موضوع سد النهضة ويبالغ في تعظيم وتضخيم الحرب على الإرهاب الذي كان محتملا!

الهدف الثاني، لنظام السيسي من شيطنة الإسلاميين وتضخيم ما تسمى بالحرب على الإرهاب التشويش على المطالب الشعبية بالحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، في ظل تصاعد الغضب الشعبي وتملل قطاعات داخل مؤسسات الدولة من المسار الذي يجر به السيسي البلاد وتلاشي الأمل في المستقبل وسط تفشي حالات اليأس والإحباط؛ يريد السيسي الاستمرار في تمزيق النسيح الوطني المصري ويصر على أن تبقى الأجواء مشحونة والاستقطاب حادا؛ ليكون ذلك مبررا لشن غارات أمنية واسعة واعتقال المعارضين للنظام لإجهاض أي تحركات تستهدف التظاهر رفضا للنظام ورفضا لجرائمه.
الهدف الثالث لنظام السيسي من الحملة على ما يسمى بالإرهاب هو تعزيز علاقته بالغرب الذي يرى في الإسلاميين خطرا يهدد مصالحهم في مصر والمنطقة فالحكام المستبدون يمكن عقد الصفقات المشبوهة معهم حتى لو على حساب الأمن القومي لبلادهم أما الإسلاميون فهم بالغو والانتماء لدينهم ووطنهم وحضارتهم وتراثهم. بالتالي فإن أحد أهداف الحرب على ما يسمى بالإرهاب هو تدشين خطاب هروبي من أزمات الواقع لتوظيف نزعة وطنية زائفة تقوم على الشعارات الرنانة والخطب الحماسية والصوت العالي دون أن يدعم ذلك بحقائق على الأرض، فموازين القوى تعصف بكل هذه الأكاذيب وتعكس حجم الأزمة التي تعاني منها مصر في ظل حكم أقل بكثير من حجم مصر ودورها ومكانتها التي تآكلت.
خلاصة الأمر، أن اعتماد نظام 30 يونيو على الكراهية كعامل مؤسس للنظام أفضى إلى تمزيق النسيج المجتمعي المصري؛ وخلق جراحا عميقة يصعب علاجها بسهولة، ولا يزال النظام حتى اليوم ، يشن حربه الشعواء بحق المخالفين اعتمادا على شيطنتهم واعتبارهم عدوا يستحقون الإبادة. ضاقت الصدور بحيث أصبح الآخر مرفوضا، وصار الشعار المرفوع هو «إما نحن أو هم»، الأمر الذى روج لثقافة إبادة الآخر أو إخضاعه فى أحسن الفروض. وغدا ذلك ميسورا فى الأجواء الراهنة التى تكفل فيها مصطلح الإرهاب بحل المشكلة. إذ جرى التوسع التدريجى فى تعريفه بحيث أصبح الإرهابى هو «كل من خالفنا»، الأمر الذى يفتح الطريق أمام تقدم كتائب الإبادة السياسية والثقافية، والتصفية الجسدية فى حالات أخرى. وتلك مهمة تكفلت بها وسائل الإعلام التى لم تقصر فى القيام باللازم من خلال الشيطنة التى تجيدها.
ورغم أهمية المصالحة كإحدى وسائل تفكيك حالة العداء، وصعوبتها في ذات الوقت إلا أنها تظل دائماً أكثر فاعلية، تتمثل صعوبة المصالحة في سيطرة حرب الذكريات التي من الصعب تجاوزها، خصوصاً أن كلا الطرفين يحتفظ برواية مغايرة للأحداث. ومن المفترض أن يتم تفكيك حالة العداء عن طريق الاعتراف بالمسئولية من جانب المتورطين في المذابح والجرائم والانتهاكات والتكفير عن الذنب، وهناك أيضا النسيان والصفح والعدالة، إلا أن التجارب السابقة أثبت عدم جدوى النسيان والصفح، إذ لا تُنسى أعمال العنف من جهة، ولا يتم اتخاذ أي إجراء قضائي بحقّ مرتكبيها من جهة أخرى. وبالنسبة إلى العدالة، فهناك نوعان من العدالة في مرحلة الخروج من الحروب الأهلية: الأولى هي العدالة الترميمية، وهي اقتصاصية تهدف لإقامة العدل. والثانية هي العدالة التعويضية، وهي غير اقتصاصية، قتصر مهمتها على الانتقال من الحرب إلى السلم، ولا تستهدف تحقيق العدالة.
وأمام الوضع الراهن، فإن مصر لن تشهد مصالحة جادة في ظل وجود الطاغية السيسي على رأس السلطة في البلاد وفق تصوراته المشوهة عن مفهوم العداء ونزعته الدكتاتورية نحو الإقصاء والتلذذ بإبادة الآخر، ولعل إقدامه على إعدام 17 معتقلا في قضية "كرداسة" أثناء شهر رمضان برهان على ذلك. وحتى إذا تم الإطاحة به؛ فإن أمام أي نظام آخر مهام جسيمة لعلاج الجراح الاجتماعية والنفسية العميقة التي تسببت بها الحرب التي شنها الطاغية السيسي على الإسلاميين وأنصار ثورة يناير والمسار الديمقراطي كله.

Facebook Comments