تلقت أجهزة الطاغية عبدالفتاح السيسي الأمنية هزيمة جديدة في أزمة مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني على يد قيادات أمنية داخل النظام في فبراير 2016م؛ حيث اختفت القناة من "يوتيوب" والتي بثت من خلالها أجهزة السيسي الأمنية فيلما وثائقيا يتبنى السردية الأمنية المزيفة عن مقتل الباحث الإيطالي، وهي سردية مغايرة للوقائع التي استقرت عليها التحقيقات الإيطالية والتي تؤكد ضلوع قيادات رفيعة بجهاز الأمن الوطني المصري في الجريمة المروعة.
فيلم الأجهزة الأمنية يروج لفكرتين: الأولى هي التشكيك في تحركات ريجيني باعتباره جاسوسا كان يعد دراسة عن النقابات المستقلة في الوقت الذي تمثل فيه هذه التحركات حساسية مفرطة لنظام العسكر في مصر. الثانية هي الترويج لفكرة المؤامرة ووجود طرف ثالث تدخل في الأحداث قد يكون تابعا للمعارضين للنظام في مصر وقد يكون طرفا تابعا لمخابرات أجنبية كانت تستهدف الوقيعة بين الجانبين المصري و الإيطالي. خصوصا وأن اختطاف ريجيني يوم 25 يناير 2016م، ثم العثور على جثته وعليه آثار تعذيب وحشي بالقرب من مقر جهاز الأمن الوطني بمدينة السادس من أكتوبر بمحافظة الجيزة تزامن مع زيارة وفد إيطالي كبير للقاهرة ولقاء وزيرة الصناعة الإيطالية، فيديريكا جويدي، برئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي.
فيلم مخابراتي

وكانت صحيفة "العربي الجديد" اللندنية قد كشفت في تقرير سابق لها أن جهاز المخابرات العامة هو من أشرف على إنتاج هذا الفيلم الوثائقي في محاولة لنقض الرواية الإيطالية المؤيدة بأقوال الشهود التي قدمها الادعاء العام بروما إلى غرفة تحريك الدعوى الجنائية مطالبا بمحاكمة أربعة ضباط مصريين، في الوقت الذي يتشبث فيه الادعاء الإيطالي بالمضي قدما نحو إجراءات المحاكمة بدعم واسع من القوى اليسارية وأسرة ريجيني.
وبدون إفصاح عن هوية صانعي الفيلم ومنتجيه؛ تم إغلاق القناة التي نشرته. فيما جرى بث الفيلم من جديدة على صفحة المذيع نشأت الديهي المعروف بقربه من أجهزة النظام الأمنية. السردية الأمنية تتفق مع بيان كان قد نشره النائب العام حول غلق القضية وتقييدها ضد مجهول بقوله: "سلوك المجني عليه وتحركاته غير المألوفة لم تكن خافية على أحد من عوام الناس، بل باتت معلومة للكافة وذاع نبأ البلاغ المقدم ضده، مما يكون قد استغله مجهول وعزم على ارتكاب جُرمه قبل المجني عليه، متخيراً يوم 25 يناير 2016 لارتكاب جرمه فيه لعلمه بانشغال الأمن المصري يومئذ بتأمين المنشآت الحيوية". وتابع أنه "خطف المجني عليه واحتجزه وعذبه بدنياً ليُلصق التهمة بعناصر من الأمن المصري، وبالتزامن مع مجيء وفد اقتصادي لزيارة البلاد قتل المجني عليه وألقى جثمانه بموقع حيوي بالقرب من منشآت هامة يتبع بعضها جهات شرطية". واعتبر أنه "أراد إعلام الكافة بقتله ولفت الانتباه إليه، مما أكد للنيابة العامة وجود أطراف معادية لمصر وإيطاليا تسعى لاستغلال الحادث للوقيعة بينهما في ضوء التطور الإيجابي في علاقاتهما خلال الفترة الأخيرة، ويسايرها في ذلك بعض من وسائل الإعلام المعروفة بإثارة الفتن لإحداث تلك الوقيعة، مما انتهت معه النيابة العامة إلى أن ظروف وملابسات الواقعة على هذا النحو لها صورة أخرى لم تكشف التحقيقات بعدُ عنها، أو عن هوية مرتكبها".
البيان في محتواه يلح على فكرة تبرئة الأجهزة الأمنية من دم الباحث الإيطالي. وهو قوبل برفض واسع من الجانب الإيطالي جملة وتفصيلا واعتبره شكلا من أشكال الهروب من العدالة وإصرارا على إفلات الجناة المتورطين من العقوبة المستحقة. وانتقد رئيس مجلس النواب الإيطالي، روبرتو فيكو، الفيلم الذي بلغت مدته 51 دقيقة، واستعانت الجهة التي أعدته ولم تعلن اسمها بعدد من الشخصيات المصرية والإيطالية غير الرسمية التي أعادت تدوير التصريحات المصرية الرسمية عن احتمال تورط ريجيني في أنشطة استخباراتية ضد مصر، وأن العصابة المسؤولة عن مقتله "ارتكبت جريمة كاملة" في إشارة إلى عجز سلطات الانقلاب عن التوصل إلى الفاعلين، وأن المقصد الأساسي للجريمة كان إفساد العلاقة بين البلدين.
رفض إيطالي

وفي برهان عملي على الرفض الإيطالي لهذه المناشات المصرية التي تستهدف صرف النظر عن جوهر القضية وملاحقة الضباط المتورطين، قررت الغرفة القضائية المختصة بتحريك الدعوى الجنائية، الخميس الماضي 29 أبريل 2021م، تأجيل جلسة استماع للادعاء العام في بداية نظر تحريك الدعوى ضد الضباط المصريين الأربعة المتهمين بقتل ريجيني، إلى يوم 25 مايو الجاري، وأوضحت المصادر الدبلوماسية أن التأجيل جاء بسبب تقديم أحد المحامين من المكتب الذي تعاقدت معه السفارة المصرية للدفاع عن الضباط الأربعة ما يثبت أنه مصاب بفيروس كورونا المستجد، وعدم قدرته على مباشرة الجلسة.

والضباط الأربعة المتهمون هم اللواء طارق صابر، والعقيد آسر كمال، والعقيد هشام حلمي، والمقدم مجدي عبدالعال شريف. وبحسب القانون الإيطالي يمكنهم جميعاً مخاطبة الادعاء العام لنفي الوقائع، كما يمكنهم المطالبة بالمثول أمام الادعاء للإدلاء بأقوالهم. واللواء طارق صابر، أصبح حالياً مساعد وزير الداخلية للأحوال المدنية، وكان خلال الواقعة يعمل مدير قطاع في جهاز الأمن الوطني، وهو الذي أصدر تعليماته بمتابعة ريجيني بناء على تقرير رفع إليه من أحد مساعديه عن أنشطته البحثية وتواصله مع نقيب الباعة الجائلين، بمناسبة بحثه عن النقابات المستقلة في مصر.
أمّا الضابط الثاني، وهو العقيد آسر كمال، والذي كان يعمل رئيساً لمباحث المرافق بالعاصمة، وتوجد دلائل على أنه هو الذي أشرف على رسم خطة تعقّب ريجيني في إطار التنسيق بين الأمن الوطني والأمن العام، وقد تمّ نقله بعد الحادث بأشهر عدة للعمل بمحافظة أخرى. أما المقدم مجدي شريف فقد سبق ونشر ادعاء روما اسماً رباعياً تقريبياً له هو "مجدي إبراهيم عبد العال شريف"، وهو الضابط الذي أبلغ عنه ضابط أفريقي بأنه سمع منه حديثاً عفوياً أثناء تدريب للضباط الأفارقة في كينيا عام 2017، اعترف فيه بتورطه في قتل ريجيني، أو "الشاب الإيطالي" كما وصفه، إلى حد القول إنه "لكمه عدة مرات" بسبب "الاشتباه في كونه جاسوساً بريطانياً".
شبكة مخبرين

وتتجه التحقيقات الإيطالية إلى أن الضابط مجدي شريف شارك ثلاثة ضباط آخرين، غير الخمسة المشتبه فيهم، أو خلفهم في إدارة ملف ريجيني وأنهم جميعاً قاموا بتكوين شبكة من المخبرين حول ريجيني والتي تضم، حسب السيناريو الإيطالي،كلاً من زميلة ريجيني المقربة الباحثة نورا وهبي، وشريكه في السكن محمد السيد الصياد ونقيب الباعة الجائلين محمد عبدالله، الذي يظهر في الفيلم الوثائقي المعد من قبل الأجهزة المصرية.
وفي محاولة من النظام العسكري في مصر لشراء الرضا الإيطالي وتجميد هذه المحاكمة التي تفضح النظام في مصر، اشترت حكومة السيسي أسلحة بمبلغ مليار و944 مليون يورو منذ مقتل ريجيني، منها 991 مليونا في عام 2020، والذي يعتبر الرقم الأضخم في تاريخ العلاقات العسكرية بين البلدين، وفي عام 2019 أنفقت 870 مليون يورو، وفي عام 2018 كانت قيمة الصفقات 69 مليون يورو فقط، وكان هذا في وقته رقماً قياسياً يمثل أكثر من ضعف أكبر مبلغ دفعته مصر نظير الأسلحة الإيطالية في عام واحد على الإطلاق، وبرقم يفوق بكثير سعر مشترياتها من الأسلحة والذخيرة في جميع الأعوام من 2013 إلى 2017م.

Facebook Comments