في زمن وزير إعلام المخلوع مبارك صفوت الشريف الشهير بـ"موافي" ، كانت الدراما والبرامج تحتوي على جرعة دينية معقولة في رمضان وغيره، عكس ما يجري الآن ويعرض على شاشات الفضائيات ويصدم المصريين جهارا نهارا في رمضان، معنى ذلك أن صاحب موبايل سامسونج أسوأ من قواد!
الموسم الدرامي الرمضاني لهذا العام استثنائي ولا يشبه ما قبله من اعوام الانقلاب على أكثر من صعيد؛ فهو محاصر بكورونا على مستوى التوقيت وظروف الإنتاج، وكذلك طبيعة المواضيع المطروقة، ولكن ثمة جائحة أخرى بدأت تهيمن وتوجد لها مكانا في المشهد الدرامي وهي مسلسلات العنف والجريمة والدعارة، ممّا يهدّد المواضيع المتعلقة باصلاح المجتمع، والتي هي الأصل في الدراما.

دعارة بالأمر
مارس ما يعرف بـ"المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام" دورا في الرقابة على الأعمال الدرامية، وقد أطلق رئيس المجلس السابق "الراحل" مكرم محمد أحمد وأعضاؤه السابقون عددا ا من التصريحات ضد التجاوزات المسيئة للأخلاق والعادات والتقاليد المصرية في الدراما، معلنين عن وجود ضوابط جديدة لتطوير الأعمال الدرامية في عام 2017، وعن تشكيل لجان لرصد كل ما يعرض على الشاشة.
وفي 7 يونيو 2017 أصدر المجلس تقريرا بعنوان: “رصد تجاوزات مسلسلات وبرامج رمضان في الفترة من 27 مايو إلى 6 يونيو 2017″، استنادا إلى ستة أنماط للمخالفات في الدراما كان قد أقرها المجلس، وهي “التجاوزات اللفظية والشتائم والسباب والاعتماد على الإيحاءات الجنسية الفجة وتعمد عرض المشاهد المنافية للآداب والتحرش الجنسي وعرض مسلسلات تحوي دروسا مجانية في كيفية تعاطي المخدرات والانضمام إلى داعش والإسقاطات السياسية والأخطاء التاريخية”.
كما أصدر المجلس قرارا بتغريم رؤساء القنوات 200 ألف جنيه مصري عن كل لفظ يراه المجلس مسيئا ويعرض في أي من الأعمال الدرامية، على أن يسحب ترخيص الوسيلة الإعلامية التي تتكرر من خلالها الإساءات ولم تلتزم بالعقوبة خلال ستة أشهر، وتعاد إجراءات الترخيص من جديد.
بعد أيام من رفع توصيات لجنة الدراما عن موسم 2018 إلى المجلس الأعلى للإعلام، تقدمت اللجنة وأعضاؤها في 25 يونيو 2018 باستقالة جماعية، وذكروا فيها أن أسباب الاستقالة التي قبلها رئيس المجلس الأعلى للإعلام، جاءت بعد عدم التزام المجلس بتوقيع الجزاءات والعقوبات على المخالفين، وأن استمرار دورهم “كديكور” دون صلاحيات وسلطة إنفاذ، أمر مستحيل.

دراما المخدرات
نظرة فاحصة وسريعة نحو المسلسلات التي تقدمها شركة سينيرجي المخابراتية في موسم رمضان الحالي تظهر تراجعا واضحا للدراما الاجتماعية وذلك لصالح أعمال وصفها الكثير من النقاد بالهجينة والعصية على التصنيف، فإما أن تكون شبه بوليسية من تلك التي تعجّ بالعنف والمطاردات والتحقيقات المتمحورة حول جرائم المخدرات والسرقة والفساد والدعارة بنكهة أمريكية منتهية الصلاحية، أو أن تكون مسلسلات تغازل الماضي، سواء كان قريبا أو بعيدا، علاوة على أعمال تقدّم نفسها ككوميديا فانتازية أحيانا أو “عائلية” أحيانا أخرى، فلا نكاد نعثر على ما يضحك فيها سوى الأداء المتواضع والفكرة الباهتة.
قد يكون من المتأخر جدا بعد معظم أيام شهر رمضان الكريم الحكم على هذه الأطباق الدرامية التي خرجت من مطابخ المخابرات، ووسط ظروف استثنائية فرضتها جائحة كورونا وما أسفرت عنه من صعوبات إنتاجية وتسويقية، بالإضافة إلى المناخ النفسي العام الذي طال مثلث التمويل والصناعة والتلقي، لكن “الكتاب بيبان من عنوانه” كما يقول المثل العامي.
دراما المخابرات لا هم لها سوى تخريب المجتمع، لكنها أوجدت طرقا متذاكية لتشبيب نفسها عبر تجميع نجوم الصف الأول والزج بهم في أعمال تبدو ضخمة من حيث الإنتاج، خصوصا تلك التي تستند إلى رواية الانقلاب الدموي مثل “الاختيار 2” و”هجمة مرتدة”.

تشويه ثورة يناير
ولم تترك هذه الدراما وسيلة تقاوم فيها ثورة 25 يناير، إلاّ واستثمرتها كالاستفادة من إرث حامل جائزة نوبل نجيب محفوظ، في رواية “بين السما والأرض”، كما أنها واكبت الموجة النسوية في العالم العربي والعالم، فأنثت العديد من الأعمال التي تطغى عليها النزعة البوليسية.
وصل الأمر إلى استنساخ أعمال تقلد العصابات المنظمة في الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية، فتكثر على الشاشة مشاهد لرجال ببدلات سوداء وملامح قاسية يمسكون بالأسلحة ويطاردون بعضهم بعضا بسيارات فخمة ويسكنون قصورا خرافية الرخاء والرفاهية.
النساء في دراما المخابرات صرن أشبه بفتيات جيمس بوند، جمال بملامح شريرة، غواية لا حدود لها، ومنافسة للذكور في حب المال والسطوة، فلا رقة ولا مشاعر ولا حنان ولا من يحزنون.
هكذا وبكل وقاحة، تعلن دراما المخابرات موت المشاعر والعلاقات الإنسانية لتحل محلها عوالم الجريمة والأجواء البوليسية ضمن أوساط اجتماعية محرومة من كل ما تشاهده من رفاهية على الشاشة وحالمة بالثروة، وتحسد ما يتمتع به السارق من ذكاء وسرعة بديهة، بجانب قُدرته على رفع مستوى الأدرينالين لدى الجمهور؛ الأمر الذي يزيد من التعاطف مع اللصوص، وتبرير انسياقهم وراء الجريمة.
هذه الدراما البوليسية ظهرت على شاشات هذا الموسم الرمضاني أكثر من أي وقت مضى، وبدأت تهدّد كتاب الدراما الإنسانية بقول صريح مفاده: إما أن تجاري الموجة أو فلتلزم بيتك.
يقول الروائي والسيناريست خالد الخليفة، مبديا عميق استيائه مما آل إليه المشهد الدرامي “خلال السنوات الماضية كانت الرسالة الموجهة إلى العاملين في الدراما، لقد انتهى عصر دراما المجتمع، المطلوب اليوم أكشن، مخدرات، دعارة، بوليس أمريكي بطعم سوري – لبناني، ناس تخرج من القبور”.
ويعقّب خليفة ممتعضا" "طيب وصلتنا الرسالة، لكن يجب أن تخبرونا للمرة الأخيرة هل انتهت الحياة التي نحب الكتابة عنها للأبد، أم أنكم موضة ستزول.. وهذا أملنا الحقيقي أن تعود الدراما إلى بيوت الناس، إلى الحياة الحقيقية وآلامها".
بدا أن "سينيرجي" أعادت ترسيم قوانين سوق الدراما من خلال ملكية أدوات الإنتاج، وكونها جزءا من مجموعة إعلام المصريين التي تسيطر على شبكات التليفزيون والدعاية والإعلان.
وأخضعت سينرجي منافسيها، حيث نجحت في تعطيل أربعة أعمال بعد بدء العمل على إنتاجها، ومن بينها توقف مسلسل عادل إمام، والذي أعلن أن سببه ظروف صحية.
إلا أن جريدة التحرير نشرت أن التوقف جاء على إثر أزمة بين شركة ماجنوم، الشركة المنتجة للعمل، وبين شركة “إعلام المصريين” الحاصلة على حقوق عرض المسلسل.
وقد تداولت وسائل الإعلام أسبابا أخرى لتوقف الأعمال، مثل: الأزمات المادية التي تواجهها شركات الإنتاج، أو عدم الحصول على تصريحات أمنية للتصوير، يقول أحد المنتجين الفنيين إن سينيرجي عطلت تصوير عدد من المسلسلات خلال موسم 2019، قائلا خلال وصفه ظروفَ الإنتاج الحالية: “إذا كنت تعمل الآن مع سينيرجي فأنت في حضرة السلطان، وإلا فأنت ضحية”.

Facebook Comments