منذ أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكمها بعدم دستورية الاعتقال في يونيو 2013 باتت الأجهزة القمعية في حيرة من أمرها فكيف لها أن تقبض علي معارضي العسكر وما المبررات القانونية التي ستسوغ أمر القبض بها وماذا ستفعل مع جهات القضاء التي حتما ستخلي سبيل هؤلاء المعارضين سريعا.
لم تلبس العقلية الاستبدادية أن وجدت الحل سريعا وقد تمثل في إصدار العديد من القوانين الاستثنائية وإنشاء محاكم استثنائية والقبض علي المعارضين السياسيين وأصحاب الآراء والمطالبين بالتغيير والمشاركين في التجمعات السلمية وتوجيه الاتهامات لهم بنصوص تلك القوانين الاستثنائية وهو ما يسمح بعرضهم أمام نيابة أمن الدولة العليا أو حتي النيابة العامة العادية التي فورا ما تمارس سلطتها الاستثنائية التي منحت إياها في تعديلات القوانين الإجرائية بعد يونيو 2013 .

أذرع الظالمين
قبل انقلاب 30 يونيو 2013 لم تكن النيابة العامة طرفا في صراع سياسي ولا دخل لها، إلى حد كبير، بعملية اعتقال المعارضين السياسيين أو المطالبين بالتغيير؛ لكن ومنذ ذالك الحين توسعت النيابة العامة في إصدار قرارات الحبس الاحتياطي وبات آلاف اﻷشخاص علي اختلاف انتمائهم وأفكارهم وطرق تعبيرهم عن آراءهم رهن الحبس الاحتياطي ولم يسلم منه أعضاء اﻷحزاب السياسية الشرعية أو أساتذة الجامعات أو المدافعين عن حقوق الإنسان أو الصحفيين أو العمال، بل والمواطنين العاديين الذين مارسوا حقهم في النقد أو في التجمع السلمي.
الحقوقي بهي الدين حسن، مدير مركز القاهرة لحقوق الإنسان، قال إن "دور النيابة العامة هو الدفاع عن حق المجتمع، وخاصة أضعف أعضائه: الفقراء، النساء، الأطفال..". وأضاف: "يجب علي النيابة أن تنأى بنفسها عن انتهاك الدستور وتجريم حرية الرأي والتعبير التي بقيت للضعفاء في مواجهة رئيس أمَّم البرلمان والقضاء والإعلام لحسابه، وحول نحو ٢ مليون شرطي وجندي إلي حرس شخصي!".

محاكم التفتيش
وفي الدول ذات الديمقراطية والحريات توصف النيابة العامة بأنها ذلك الخصم الشريف في الدعوي الجنائية وهو أمر لا يتوقف فقط علي الموقف او التصرف الذي تتخذه لصالح أحد الأطراف أو ضده بل يتجلى أيضا و يختبر في مدى قدرتها على بلورة رؤية خاصة بها لاستكشاف الظروف الاجتماعية ورصد ما قد يسببه قرارها من اضطراب اجتماعي يمس حياة آلاف المواطنين وأسرهم.
والقول بغير كل أو بعض ما سبق إنما يوصم تحرك النيابة العامة و أعضائها في إطار ذاتي موسوم بالانتصار لهوى السلطة السياسية او الأجهزة الأمنية ، وهو اختيار يترجم بوضوح رغبة سياسية لا صحيح القانون وقيم العدال.
ولم تكتف النيابة العامة باستخدام الحبس الاحتياطي في مواجهة كل هؤلاء لمرة واحدة لكنها كانت تعيد حبسهم ولسنوات اذا ما تصادف وان صدر قرار قضائي من أحد المحاكم بإخلاء سبيلهم وذالك عن طريق قبولها لروايات اﻷجهزة اﻷمنية باتهامات جديدة مماثلة لنفس الاتهامات السابقة فيما أطلق عليه مؤخرا ظاهرة "التدوير".
من جهته اعتبر المستشار محمد عوض أن النيابة العامة تحولت بعهد السفاح السيسي إلى مخبرين في محاكم التفتيش، وهو ما كان واضحا في قضية التستر على داخلية السفاح السيسي في قتل الناشطين الذين ثاروا في سبتمبر 2020، وقضية عويس الراوي، حيث اعتبرت "النيابة العامة" في تحقيقاتها بشأن مقتله "كان عويس يتصدى لرجل شرطة، وهذا عمل إرهابي واستدعى الرد!".
وأصدرت "منظمة العفو الدولية" تقريرا في 27 نوفمبر 2019، يظهر كيف دأبت نيابة أمن الدولة العليا في مصر على إساءة استخدام قانون مكافحة الإرهاب بشكل روتيني لملاحقة الآلاف من المنتقدين السلميين للعسكر، وتعطيل ضمانات المحاكمة العادلة.
وكشف التقرير الصادر تحت عنوان: "حالة الاستثناء الدائمة"، عن دور نيابة أمن الدولة العليا، وهي فرع خاص من النيابة العامة يتولى المسؤولية عن التحقيق في القضايا التي تنطوي على تهديد لأمن الدولة، وتواطؤها في حالات الإخفاء القسري، والحرمان التعسفي من الحرية، والتعذيب، وغيره من ضروب المعاملة السيئة. فقد احتجزت نيابة أمن الدولة الآلاف من الأشخاص فترات طويلة لأسباب ملفقة، وأطلقت لنفسها العنان في انتهاك حقوقهم في محاكمة عادلة.
لقد وسعَّت نيابة أمن الدولة العليا تعريف "الإرهاب" في مصر اليوم ليشمل المظاهرات السلمية، والمنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، والأنشطة السياسية المشروعة، مما أدى إلى معاملة المنتقدين السلميين للعسكر باعتبارهم أعداء للدولة.

Facebook Comments