يوما تلو آخر، تتضح آثار غشم نظام الطاغية عبدالفتاح السيسي، وتتأكد حقيقة يقينية بأن العسكر غير صالحين لإدارة الدولة أو الاقتصاد والمجتمع والسياسة، وأن دورهم الأساس في حماية الأمن والحدود، وأن تحولهم للعمل بالسياسة و البيزنس جريمة بل كارثة بحق المجتمع ككل.
وقد تسببت سياسات السيسي في تعطيل قطاع المقاولات ووقف التراخيص بل وإزالة العقارات التي كان يهدف السيسي من ورائها تفعيل الطلب على مساكن وعقارات الجيش والمشاريع التي أهدر عليها مئات المليارات بدافع البيزنس، لكن غلاءها الفاحش وتدهور الوضع الاقتصادي حالا دون إقبال الجماهير عليها لعدم ملاءمة أسعار لملايين المصريين؛ وهو ما تسبب في شلل وركود القطاع العقاري وتراجع الطلب على مواد البناء.
كما أن سياسات التوحش العسكري التي أوقفت المصانع الكبرى والشركات العامة التي كانت ملكا للشعب المصري وتقوم بالصناعات الإستراتيجية كالحديد والإسمنت وغيرها من المصانع التي أغلقها السيسي وباعها لحيتان الخصخصة وغيرها بدعوى وقف الخسائر، دفعته لجنون التوسع في صناعات قد لا يكون السوق المصري في حاجة لها، ومن ضمن تلك الصناعات الإسمنت، والذي يحقق فائضا عن حاجة السوق تصل إلى 50% من الإنتاج. ويتم تصدير قليل منها إلى السوقين الأوروبية والإفريقية.
وخلال السنوات الماضية، كان الجيش قد أنشأ مصنعا للإسمنت في بني سويف وآخر في سيناء، ويخطط لإقامة المزيد ما زاد في حجم الإنتاج عن طاقة السوق المصري، وسط شلل في قطاع المقاولات لحقته أزمات الاقتصاد المصري والعالمي إثر جائحة كورونا، ما فاقم الأزمة بمصر.
وسط تلك الحالة ورغم تكدس السوق وتشبعه بالإسمنت ، سيتم افتتاح مصنع المصريين ‏للإسمنت في سوهاج عقب عيد الفطر بطاقة إنتاجية تبلغ ‏مليونَي طن سنويًا، بتكاليف استثمارية تجاوزت 4 مليارات جنيه.، ما من شأنه أن يعمّق أزمة المعروض في السوق المحلية.
وكان قرار الافتتاح جرى تأجيله أكثر من مرة نتيجة تداعيات فيروس ‏كورونا والأزمة الخانقة التي ‏تضرب سوق الإسمنت على المستويين ‏الداخلي والخارجي.‏
وبحسب خبراء بقطاع الإسمنت والقطاع العقاري، فإن دخول ‏المصنع الجديد دائرة الإنتاج سيرفع الطاقة الإنتاجية لمصانع الإسمنت ‏في مصر إلى 85 مليون طن في السنة، في الوقت الذي بلغت فيه معدلات ‏الاستهلاك في 2020 نحو47 مليون طن، وهو ما يعني أن هناك فائضًا ‏عن حاجة السوق يقدر بـ 38 مليون طن.‏
بل هناك بعض الشركات صدرت كميات من الإسمنت ‏للأسواق الليبية والسودانية مؤخرًا، بالرغم من أن أسعار التصدير تمثل ‏خسارة للشركات، لكنها مضطرة للتخلص من الكميات المخزنة قبل انتهاء ‏صلاحيتها، إذ إن إحدى الشركات لديها 10 ملايين طن من مادة الكلينكر (‏الإسمنت الخام قبل عملية الطحن) في مخازنها، وتصل مدة صلاحيتها إلى ‏سنة.
وكانت 5 شركات إسمنت مسجلة في البورصة أعلنت أنها ‏تكبدت خسائر بقيمة ملياري جنيه خلال 2020، بينما حققت شركتين ‏فقط ‏أرباحاً تقدر بـ110 ملايين جنيه، من أصل 19 شركة تنتج ‏الإسمنت ‏في مصر.‏
وحذرت شعبة الإسمنت في اتحاد الصناعات من أن تأزم ‏الوضع الراهن ‏دون تدخل الحكومة سيدفع بالمزيد من خروج ‏الاستثمارات من ‏هذا القطاع.‏ وأكدت في بيان سابق أن أحد الأسباب الرئيسية ‏لتفاقم الأزمة في ‏الوقت الراهن هو زيادة الكميات المنتجة عن ‏حاجة السوق بحوالي 40 ‏مليون طن سنويًا، بسبب السماح ‏بالترخيص لإنشاء شركات جديدة من ‏دون دراسة جدوى واقعية ‏للأسواق خلال السنوات الخمس الماضية.‏
وأشارت إلى أنه في عام 2016 رخصت هيئة التنمية الصناعية ‏لثلاث ‏شركات جديدة، رغم وجود فائض عن حاجة السوق يقدر ‏حينها بحوالي ‌‏18 مليون طن، وفي عام 2018، دخل مصنع بني ‏سويف التابع للجيش ‏دائرة الإنتاج بطاقة تقدر بـ13مليون طن ‏سنوياً.‏
وتدرس الحكومة ممثلة في وزارة التجارة والصناعة، مع ‏القائمين على صناعة الإسمنت في مصر، مقترحا بتوجيه حكومي ‏بضرورة وضع حد أقصى ‏للطاقة الإنتاجية لا يتعدى 65% من ‏الكميات المصرح ‏بها طبقًا للسجل الصناعي لكل مصنع، وهو ما يعني ‏توقف ‏حوالى 16 خط إنتاج من إجمالي 47 خطًا، وتشريد حوالى ‌‏15 ‏ألف عامل، إذ إن حجم العمالة في شركات الإسمنت يصل ‏إلى ‌‏50 ألف عامل، طبقًا لبيانات شعبة الإسمنت باتحاد ‏الصناعات في نهاية العام 2018م.

Facebook Comments