لحظة انتشاء ولذة انتصار وبردا وسلاما شعر بها كل مسلم عربي وغير عربي في قلبه بطول وعرض الكرة الأرضية، عندما نفذت المقاومة الفلسطينية في غزة، ردها الصاروخي الصادم ضد جرائم الاحتلال في القدس، وتوحدت الأمة بشقيها العربي والإسلامي تحت شعار "لا صوت يعلو فوق صوت القدس".
وتحولت الأمة الإسلامية والعربية كلها في هذه اللحظة، إلى وحدة واحدة، يجمع بينها المشروع الوحيد الذي يمكن أن يوحّد كافة المسلمين وهو مشروع "الاشتباك" مع الاحتلال الصهيوني.

قيامة القدس
بعد سنوات من الضباب المحيط بـ"القدس"، القضية الأم ومحور الأمة الإسلامية، والركون الرسمي إلى وعود التسويات المفرطة، وحالة الإنهاك التي عانى منها الشعب الفلسطيني بفعل الحصار والخذلان، مضافا إلى ذلك انشغال الشعوب العربية والإسلامية بمصائبها وأزماتها الخاصة واستهدافها بالإرهاب والحصار، وتمكن أنظمة الخيانة العربية في الإمارات أو البحرين أو السعودية وعصابة الانقلاب بمصر، ومحاولة تمرير أبجديات جديدة للصراع مخالفة للوجدان الشعبي، شكلت الهبة الفلسطينية في كامل فلسطين المحتلة قيامة جديدة للقضية التي أريد لها التصفية على مستويات متعددة بين ما هو جغرافي وعملي، وما هو سياسي ووجداني.
وقد شكلت الانتفاضة المتناغمة بين القدس والضفة وغزة، إفشالا لمخطط متناغم حاول تقسيم القضية جغرافيا وخلق جزر منعزلة، لعلمه بمكانة القدس في القضية، فقام المخطط بخلق سلطة بعيدا عن القدس، ثم تنازع على السلطة، بحيث يكون الصراع داخليا لإفشال الوحدة وتشتيت الجهود من جهة، وترك القدس وحيدة من جهة أخرى.
وهنا كانت عبقرية هذه الانتفاضة، والتي أعلنت القدس بها أنها عصية على التهويد والابتلاع، وأثبتت الضفة بها أنها عصية على الفصل والاستسلام لمنطق السلطة وقيودها والتزاماتها بتنسيق أمني مع العدو وانفصالها وجدانيا عن كامل فلسطين المحتلة، وأثبتت بها غزة أنها عصية على الحصار ومحاولات الشراء للتخلي عن المقاومة.
شكل هذا التناغم الفلسطيني المضاف إلى صمود محور المقاومة إبرازا لتناقضات المعسكر الاستعماري وذيوله من المطبعين والمفرطين وعلى رأسهم السفاح عبد الفتاح السيسي، ومعه محمد بن زايد ومحمد بن سلمان، الذين ارتضوا وساعدوا على مخطط موهوم يسمى "صفقة القرن"!
هنا يمكن الاطمئنان إلى القضية وحضورها والى مستقبلها وأن فلسطين تسير في طريقها السليم نحو الحرية، وأن زوال الكيان الصهيوني الحتمي بات قريبا، والاطمئنان إلى أن الشعوب العربية استعادت روح المقاومة، وعودة الزخم الطبيعي للقضية شعبيا بعد سنوات من الخفوت.

تقسيم العرب والمسلمين
ومنذ سقوط الخلافة العثمانية ومن قبلها سقوط الأندلس وتقسيم الأمة في اتفاقية سايكس بيكو المشئومة، تعمدت بريطانيا وفرنسا وامريكا تنفيذ إستراتيجية تقسيم العرب والمسلمين، جغرافيا وسياسيا واقتصاديا، والأهم والأخطر من ذلك، أنهم عملوا على تقسيمه في محيط المقاومة.
وحققت هذه الإستراتيجية نجاحات كبيرة في إضعاف المسلمين عربا وعجما، وفي وسط هذا الظلام ياتي الضوء والفرج، عندما أطلقت الغرفة المشتركة لفصائل المقاومة الفلسطينية، اسم معركة "سيف القدس" على التصعيد الحالي في قطاع غزة، وذلك "نصرة للقدس وردا على جرائم الاحتلال بحق أهلها، واستجابة لصرخات أحرارها وحرائرها".
وقالت الغرفة المشتركة، في بيان وصل إلى "الحرية والعدالة"، إنها تمكنت من توجيه ضربات للاحتلال، افتتحتها بضربة صاروخية للقدس المحتلة، واستهداف مركبة (إسرائيلية) شماليّ القطاع، تلاها قصف صاروخي مكثف استهدف محيط تل أبيب و"مواقع العدو في المدن المحتلة ومستوطنات ما يسمى غلاف غزة".
من جهته، قال رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس"، إسماعيل هنية، مساء أمس: "إننا قررنا أن نستمر ما لم يوقف الاحتلال كل مظاهر العدوان والإرهاب في القدس والمسجد الأقصى"، مشددا على أنّ "معادلة ربط غزة بالقدس ثابتة ولن تتغير"، فـ"عندما نادت القدس لبّت غزة النداء".
وأضاف هنية، في كلمته المتلفزة، "لقد رسخت القدس ميزان قوة جديدا، سياسيا وجماهيريا وميدانياً، على المستوى الداخلي والخارجي، وإرادة شعبنا تنتصر".
وفي السياق، هدَّد الناطق باسم “كتائب القسام” أبو عبيدة، الاحتلال الصهيوني، قائلا إنه “إذا قصف العدو منشآت مدنية أو منازل في غزة فإن ردَّنا سيكون مؤلماً وفوق توقعاته”.
وعقد رئيس حكومة العدو الصهيوني بنيامين نتنياهو اجتماعاً تشاوريا مع وزير دفاعه بيني جانتس وكبار القادة الأمنيين والعسكريين لبحث تطورات التصعيد مع الفلسطينيين.

وقال نتنياهو في وقت سابق، تعليقا على الهجمات الصاروخية من قطاع غزة على مدينتي القدس وسديروت، إن "إسرائيل سترد بقوة كبيرة"، فيما قال المتحدث باسم جيش العدو الصهيوني هيداي زيلبرمان إن الجيش لا يستبعد تنفيذ عملية برية في ظل التوترات القائمة حول قطاع غزة، مرجحا أن "القتال قد يستمر لأيام".
وفي السياق، دعا أمير قطر الشيخ تميم بن حمد والرئيس التركي رجب طيب أردوغان في اتصال هاتفي، إلى ضرورة وقف قوات الاحتلال الإسرائيلي لاعتداءاتها على المدنيين العزل، وعدم التصعيد وضبط النفس واحترام القانون الدولي والإنساني.
وجاء رد المقاومة ميدانياً، ولم يأت إعلامياً، متناغماً مع الحب الذي يحمله أهل القدس لغزة، وجاء بمقدار الثقة التي منحتها الشعوب العربية للمقاومة الفلسطينية، وجاء الرد بحجم العدوان الإسرائيلي على المقدسات الإسلامية، مع الحرص على مواصلة الربط بين الصواريخ والعدوان على المقدسات، ليظل الحدث المركزي في وسائل الإعلام هو القدس.
ودقت الساعة في غزة، وانشقت الأرض عن صواريخ المقاومة، فإذا بفلسطين كلها أمانة في عنق أهل غزة، لقد حمل أهل غزة الأمانة، وهم يعرفون أنهم سيدفعون الثمن، سيدفعونه من بيوتهم وأولادهم وأعمارهم وأرزاقهم، ولكنه ثمن رخيص لمن أراد العيش بحرية وكرامة، فطالما كان الهدف فلسطين، والمسعى أرض المسرى، فكل شيء يهون، وأهل غزة لم يكونوا يوماً إلا في الموقع الذي يرخص فيه المال والبنون.
من جهته قال عضو مجلس الشورى العُماني ممثل ولاية بهلا، محمد بن تميم الهنائي: "علينا أن نوحد الكلمة التي تخيف الكيان الصهيوني، حيث إن الفلسطينيين ليسوا وحدهم من يخيفون الاحتلال بل جميع الشعوب".
وبين أن الاحتلال الصهيوني يريد التوسع والتطبيع مع الحكومات، وهو أمر سهل بالنسبة لهم كما صرح رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، ولكن "الشعوب لا تتقبلهم، ولا تستضيفهم، وهم يعلمون جيدا أن الصعوبة لا تكون إلا مع الأحرار".

 

Facebook Comments