دخلت المقاومة الفلسطينية في غزة حربا تخشى جيوش ٢٢ دولة عربية على مجرد الحكي فيها، الجديد في هذه المواجهة المتصاعدة أن أبواب الوساطات والسماسرة العرب باتت مغلقة، لا بل محكمة الإغلاق، بعد أن تبين أن معظم هؤلاء يعملون “الوسطاء” على خدمة الأجندات الإسرائيلية، وإنقاذ أرواح المستوطنين وليس أرواح الفلسطينيين، ومن أجل تحسين علاقاتهم مع أمريكا وكيان الاحتلال الصهيوني، والحفاظ على استمرارية وجودهم فوق السلطة.
ثبت على الجهة المقابلة أن كيان العدو الصهيوني ليس قادراً على خوض حرب ضد غزة، حتى لو تحول قصف تل أبيب إلى خبر عاجل؛ إذ إنه ليست مكبلاً بحسابات الانتخابات المقبلة فحسب، بل ثمة اعتبارات أخرى كثيرة تمنعها من المغامرة أمام قطاع لا تجد فصائله، ولا حتى جمهوره، ما يخسره أكثر مما خسره في المواجهات السابقة، جراء الوضع الذي أوصله إليه العدو بنفسه مع حليفه المصري والخليجي في لعبة الإفقار والحصار غير المسبوقة.

مواقف معتادة
أما مواقف واشنطن فلا يختلف كثيرا عن موقف 22 دولة عربية هم وكلاؤها في المنطقة، وهى مواقف ليست محيرة كما يعتقد البعض، بل هي مواقف امريكية معتادة ومنحازة، وفاقعة في انحيازها، وتشكل غطاء سياسياً واسعاً للسياسات الصهيونية.
فلم يدن السيد الأمريكي الجديد "بايدن" اعتداء جنود الاحتلال على رحاب المسجد الأقصى، ومصلاه الجنوبي والشمالي، واعتداءاته على المصلين بالرصاص وقنابل الغاز ما أدى إلى استشهاد وجرح مئات الفلسطينيين العزل، والاعتداء بالضرب على سكان الشيخ جراح لطردهم من بيوتهم.
هذا الانحياز الأمريكي واضح وهو مناف للمنطق الأخلاقي والإنساني والسياسي والقانوني بمناصرة ودعم إسرائيل، وبذا فإن لغة ومفردات مناشدتها للتدخل أمر غير مفهوم، ولم يعد ينطلي على أحد، فقد حصل نتنياهو على الضوء الأخضر من الولايات المتحدة للاستمرار في نهجه الدموي ضد الفلسطينيين، وفي مواقفه التي أدخلت عملية التسوية إلى النفق المسدود.
في هذا المناخ تموج في غزة النار، وفيه تموج ساحات جماهيرية عربية بالغضب والاحتجاج، منادية بموقف وتدخل ومناصرة وحتى بوقف للعدوان على غزة!
وفي هذا المناخ أيضا يستمر تأييد الغرب الصليبي للعدوان الصهيوني على غزة ويتنامى، مرسخاً توجهات وسياسات وشروراً وفجوراً تبديه قيادات أمريكية وفرنسية وبريطانية على الخصوص، حيث تصف عدوان إسرائيل العنصري دائماً، وعلى غزة حالياً، المحاصرة منذ سنوات عدة بأنه ''دفاع عن النفس''!؟

مهزلة غربية
تلك مهزلة غربية قديمة يقف منها العالم متفرجاً أو مشلول الإرادة، وإزاء هذا القدر المتيقن، وبين قوى ملكت ما لا تملك لمن لا يملك ولا يستحق، وقوى استلمت المهمة وبنت سياساتها واستراتيجياتها على شحذ خنجر الاحتلال الصهيوني، والعمل على أن يبقى غارزًا في خاصرة الوطن العربي.
أما مجلس الأمن فقد اكتفى بالإعراب عن "قلقه البالغ" إزاء تصاعد التوترات في غزة والقدس المحتلة، جراء الانتهاكات الصهيونية غير المسبوقة بحق المسجد الأقصى والمرابطين به، داعياً "إلى ممارسة ضبط النفس، والامتناع عن الأعمال الاستفزازية والخطابة، والمحافظة ـ ودون تغيير ـ على الوضع التاريخي الراهن في الحرم الشريف ـ قولًا وممارسة"، ومطالبًا "بالاحترام الكامل للقانون الدولي، بما في ذلك القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي".
ولا أحد يستغرب من هذه اللغة الباهتة لمجلس الأمن، والجدير بالملاحظة، هو أنه في الوقت الذي يواصل فيه كيان الاحتلال الصهيوني اعتداءاته على مدينة القدس منذ بداية شهر رمضان، في 13 أبريل الماضي، وتقوم بها قوات الشرطة الإسرائيلية والمستوطنون، في منطقة "باب العامود" وحي "الشيخ جراح" والمسجد الأقصى ومحيطه.
ورغم العنف والتهديدات والاستفزازات الإسرائيلية، إلاّ أنّ أمريكا جعلت مجلس الأمن الدولي يفشل الإثنين الماضي، في التوصل لاتفاق بشأن إصدار بيان يتيم حول الأوضاع الحالية بمدينة القدس المحتلة، بزعم أن ذلك "لن يساعد في تحسين الوضع الحالي في القدس".
وموقف كهذا، هو في صلب المهمة نحو إيصال الاحتلال الصهيوني إلى أمتاره الأخيرة، سواء بتقسيم المسجد مكانيا وزمانيا، أو بتصفية القضية الفلسطينية.
وعليه، فالعدوان لن يتوقف وستتعدد وساطات التهدئة بالتوازي مع تصاعد مظاهره، وبالمقابل، فالمقاومة والصمود هما غزة دائماً وأبداً.
أما موقف الجامعة العربية، فقد دبَّجت جامعة العرب إداناتها المتبعة في هكذا مناسبات، أي المشفوعة بكفى الله المؤمنين شر ما هو أكثر من الإدانة وهروباً من هذا الأكثر!

Facebook Comments