"لأول مرة منذ قيام "إسرائيل"، يقوم تنظيمٌ فلسطينيٌ بإنذارِ "إسرائيل" بوقتٍ محددٍ بشأن القدس وينفذ انذاره بنفس التوقيت حسب الجدول الزمني الذي حدده، ويطلق الصواريخ على "العاصمة"، وكل مدن الدولة تسارع في فتح الملاجئ، حماس قوية أمام الجميع".

ما سبق هو رأي للصحفي الإسرائيلي "بن كسبيت"، والمتأمل فيما بين الحروف يجد حسرةً ومرارةً على هيئة تساؤل، إذ كيف لتنظيمٍ فلسطينيٍ يُنذر "إسرائيل" التي لم تجرؤ دولة عربية ممن يحمل قادتها شوارب ونياشين، وفيها – بلا مؤاخذة – وزارة دفاع وحربية وجيوش تسد عين الشمس، على تهديدها وإنذارها؟ والأدهى، أن هذا التنظيم يُنفذ ما وعد به، رغم أنه مُحاصر منذ 15 عاماً وأغلب سلاحه من صنع يديه، وكأني به يقول "يا ناس إحنا في حلم أو في علم".

نعم هذا ما حدث حين هددت غزةُ دولةَ الاحتلالِ في ما عُرف بـ"الإنذار الأخير" الذي وجهه قائد أركان المقاومة محمد الضيف في غزة للاحتلال؛ بأنهم إن لم يتراجعوا عن جرائمهم في القدس، فلن ينالوا خيراً.

لقد انطلقت المقاومة في تهديدها للاحتلال بأن القدس مقدسة وغالية، فالقدس تستحق أكثر من بيانات الشجب والاستنكار التي ما قتلت بعوضة على مدار عمر الاحتلال، والتي يكتبها ضعفاء النفوس ويرسلونها لأسيادهم كي تقرأها أعينهم وتقر بها وتطمئن قلوبهم للمكتوب، ويتأكدون أن لا نص خارج النص.

فالمقاومة هددت ونفذت وعيدها للاحتلال بأنه سيتلقى في تل أبيب وضواحيها وجبةً نارية مؤلمة من صواريخها من طراز J 80، والمزودة بتقنية تضلل القبة الحديدية، وتحدت طواقم القبة وخبراءها اعتراضها، في الساعة التاسعة مساء الثاني عشر من تموز/ يوليو 2014 أثناء معركة "العصف المأكول".

ولما استغاث أهلنا في حي الشيخ جراح بالقدس، والذين لا يملكون إلا الحجر وإرادة مثل الصخر وتصميما على البقاء مدافعين عن مسرى رسول الله حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً، وجهروا بصوتهم يملؤهم الأمل "يا غزة يالله.. مشان الله"، قالت غزة: رسالتكم وصلت والرد قادم، وحددت الساعة السادسة مساء العاشر من أيار/ مايو 2021، كآخر مهلة للاحتلال ليتوقف عن إجرامه في الأقصى، لكنه رفض، فأوفت بوعدها، ورفعت "سيف القدس" في وجه "حارس الأسوار".

أختم بالتأكيد على أنه: إذا هدد من يملك القوة والسلاح وكان "عايش مبحبح" ثم نفذ وعيده وتهديده، فهذا مما لا يثير الانتباه ولا الغرابة، لأنه ببساطة يملك مقومات التنفيذ، بينما الذي يثير الانتباه والاستغراب والإعجاب أيضا أن يأتي التهديد والتنفيذ ممن يظن الجميع أنه "لا يقدر على شيء"، هذا ما حدث بغزة التي ظن الجميع أنها مشغولة بالبحث عن رغيف خبز وليس لديها فائض وقت أو اهتمام بغيرها، فإذا بها تفاجئ الجميع وتقول: "لبيك يا قدس، لبيك يا أقصى، لبيك يا مسرى رسول الله". وكما كتب أحد المقدسين في فيسبوك: "هذا قدر غزة أن تحملنا على ظهرها وخاصرتها تنزف دما".

………….

نقلا عن: عربي 21

Facebook Comments