يرى البعض أن حماس أخطأت بقبول الهدنة (وقف المعارك)، وأنها كان عليها أن تواصل المعركة حتى تحقق الشروط التي خاضت الحرب من أجلها وهي وقف تهجير أهل الشيخ جراح، وتعهد سلطات الاحتلال بوقف اعتداءاتها واعتداءات المتطرفين اليهود على المسجد الأقصى.

والوضع الآن هو أن الشيخ جراح لا يزال تحت حصار قوات الاحتلال، كما أن الأقصى بمداخله ومخارجه وساحاته تحت الحصار أيضا، ويمكن لقوات الاحتلال أن تسمح للمتطرفين بالدخول هنا أو هناك، خاصة مع تزايد دعوات هؤلاء المتطرفين واستعداداتهم لذلك.

ويرى البعض أن ما حدث في النهاية لا يمكن وصفه بالنصر الذي يستحق كل هذا الاحتفاء سواء من الفلسطينيين أو غيرهم، بل يذهب البعض إلى القول إن غزة فقدت الكثير من بشرها وحجرها وبنيتها التحتية دون مقابل.

والسؤال: هل كان بإمكان حماس مواصلة القتال حتى تحقيق تلك الشروط التي أعلنتها مع بداية رشقات صواريخها تجاه القدس وباقي الأهداف الإسرائيلية في الأرض المحتلة؟ هل تمتلك القدرة العسكرية الكافية لذلك؟ وهل تطمئن إلى الدعم الشعبي الكافي؟ وهل تطمئن إلى استمرار الظهير الإقليمي على موقفه؟ وهل تطمئن إلى استمرار التعاطف الشعبي دوليا؟

أظن أن الإجابة واضحة، وهي أن حماس رغم أنها طورت قدراتها العسكرية كثيرا إلا أن هذه القدرات لا تساوي شيئا أمام القدرات الإسرائيلية المدعومة أمريكيا وغربيا. وما يميز رجال حماس غير التسليح هو جرأتهم وإيمانهم بعدالة قضيتهم، وإقدامهم على التضحية في مقابل محتلين هم أحرص الناس على حياة كما وصفهم القرآن.

كما أن أهالي غزة عانوا كثيرا من عمليات القصف، ورغم أنهم شعب معطاء، إلا أن حماس تستشعر المسئولية ولا تنتظر حتى يفرغ صبر هذا الشعب فينقلب عليها، كما أن رفضها للوساطات الإقليمية والدولية في ظل هذه الأجواء سيعرضها لحالة حصار لا طاقة لها بها. وقد تمكنت قوى المقاومة في ظل ما تمتلكه من تسليح وفي ظل هذه الأجواء الإقليمية والدولية؛ من تحقيق ذلك القدر من الانتصارات التي احتفينا بها جميعا. وعلى كل حال فإن المعارك العسكرية خاصة من فصائل مقاومة تحتاج قدرا كبيرا من الإقدام والجرأة (التي لا تعبأ بفارق التسليح)، ولكنها أيضا تحتاج إلى عقول سياسية تحدد أهدافا وطريقا لبدء المعركة وإنهائها وجني مكاسبها.

تختلف مقاييس النصر والهزيمة بين الدول والجيوش النظامية عنها بين الجيوش النظامية وحركات المقاومة. ففي الأولى تكون الأمور واضحة، فالنصر بأن تحرر أرضا، أو تكسب أرضا جديدة، أو تجبر العدو على الاستسلام لمطالبك، أما بالنسبة لحركات التحرر الوطني حتى لو كانت مسلحة فإن معيار النصر هو الصمود في مواجهة العدو بترسانته العسكرية الضخمة، وداعميه الإقليميين والدوليين، بل وإجبار هذا العدو وداعميه على الاعتراف بقدرات هذه الحركة النضالية، والاعتراف ولو بشكل غير مباشر بها وبقدراتها، والقبول ولو بشكل غير مباشر بقواعد جديدة للاشتباك يلتزم خلالها بما كان في حل منه سابقا.

بهذه المعايير فإن ما حصل هو انكسار للعدو، وفشل له في تحقيق أهدافه في إخضاع الفلسطينيين، وكسر إرادتهم، وضرب صمودهم، ومقاومتهم الممتدة عبر 73 عاما منذ النكبة، وأي انكسار للعدو يمكننا احتسابه مباشرة انتصارا للمقاومة بل للشعب الفلسطيني الذي لا يمتلك إلا القليل من التسليح المصنع محليا في مواجهة أقوى النظم العسكرية العالمية، ووسط حصار إقليمي ودولي خانق يحصي عليهم أنفاسهم.

قبلت حماس كما قبلت سلطات الاحتلال وقف العمليات العسكرية دون أية شروط من هنا أو هناك، ما يعني عدم قدرة كل طرف على تحقيق الشروط المعلنة له. أما وقد تحدثنا عن شروط حماس وهي وقف العدوان على حي الشيخ جراح والأقصى، فإن شروط الاحتلال كانت هي الأكثر فجاجة والتي لم يستطع تنفيذها، وتضمنت القضاء على ترسانة صواريخ حماس وإعادتها إلى نقطة الصفر، ومنع فصائل المقاومة الأخرى من امتلاك أي أسلحة، أو تطويرها، ومنع انتشار روح المقاومة في مناطق جديدة داخل فلسطين المحتلة، وبالمحصلة تحطيم آمال الشعب الفلسطيني في التحرر والاستقلال.

صحيح أن المقاومة لم تحصل على تعهد واضح بوقف العدوان على الأقصى أو حي الشيخ جراح، لكنها فرضت قواعد جديدة للاشتباك مع العدو، بموجبها سيفكر كثيرا قبل الإقدام على أي خطوة قد تستفز المقاومة وتدفعها لإطلاق صواريخها وطائراتها مجددا. ولا ننسى أن المقاومة كانت صاحبة ضربة البداية هذه المرة، برشقة صواريخ إلى مواقع العدو في القدس، وكانت أيضا صاحبة الكلمة الأخيرة عبر رشقة صواريخ بعد الإعلان عن اتفاق الهدنة، وقبل ثلاث ساعات فقط من سريانه. كما أن المتحدث باسم كتائب القسام والمتحدث باسم الغرفة المشتركة لفصائل المقاومة؛ أعلنا أن قوات وصواريخ المقاومة جاهزة للتعامل في أي لحظة ردا على أي عدوان محتمل، وأن الأيدي على الزناد، وأنها لن تسمح للعدو بمواصلة عدوانه على الشعب الفلسطيني.

الانتصار النفسي (المعنوي) لا يقل أهمية عن الانتصار المادي، ولنعرف من المنتصر أو المنهزم في هذه الناحية علينا أن نشاهد ردود الفعل على الطرفين من وجوم وغضب على وجوه الإسرائيليين وقادتهم ومحلليهم في الصحف والقنوات، إلى مظاهر احتفالية بالغة في القدس وغزة والضفة وأرض الـ48، وعموم العواصم العربية والإسلامية.. هذه البهجة والشعور بالرضا على الأقل، يعطي دفعة معنوية كبيرة للمرابطين في بيت المقدس وفي حي الشيخ جراح تمكنهم من مواجهة أي محاولات جديدة للعدوان.

من حق الناس أن يعرفوا ثمن التضحيات التي قدمتها، ولكن المشكلة أن البعض يريد الثمن "كاش" بالمعنى الرمزي، أي نتائج ملموسة على الأرض يلمسها الجميع ولا يماري فيها أحد. والحقيقة أن هناك ما يمكن وصفه بإنجازات مادية وما يمكن وصفه بإنجازات او انتصارات معنوية. فمن المادي مثلا فرض قواعد جديدة للاشتباك (تحت الاختبار حاليا)، ومنها وقف تنفيذ إخلاءات منازل الشيخ جراح (وإن ظل التهديد قائما)، ومنها منع مسيرة المتطرفين اليهود من الدخول إلى الأقصى أواخر رمضان، واستمرار تدفق المصلين المسلمين إلى المسجد، ومنها عودة الزخم للقضية الفلسطينية محليا ودوليا، واكتسابها أنصارا جددا، وتلاحم الصف الوطني الفلسطيني، ووجود غرفة مشتركة لعمليات فصائل المقاومة أثناء الحرب، ومنها ظهور أسلحة جديدة للمقاومة نجحت في توسيع رقعة أهدافها، وإيقاع الرعب في نفوس المحتلين داخل بيوتهم. أما الانتصارات غير المرئية فهي تعاظم الصمود الفلسطيني، والإصرار على حق التحرر والاستقلال، وقد اكتسب هذا الهدف زخما ونفسا قويا من هذه الجولة.

من النتائج المهمة انحسار وباء التطبيع، خاصة في موجته الأخيرة (المشروع الإبراهيمي)، فقد ارتفعت أصوات مناهضة التطبيع في مصر التي حرصت نقاباتها على تأكيد مواقفها التاريخية، وفي تونس التي يناقش برلمانها قانونا لتجريم التطبيع، وفي المغرب الذي خرجت جماهيره هاتفة بأن "فلسطين أمانة والتطبيع خيانة"، وفي السودان أيضا.

والمهمة العاجلة الآن أمام كل أنصار القضية الفلسطينية هي تعقب أذناب التطبيع في عموم المنطقة، وملاحقتهم من مكان إلى مكان، وفي الوقت نفسه إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية في صورتها الحقيقية، فلسطين من البحر إلى النهر، وإعادة الاعتبار لخيار المقاومة باعتباره الخيار الأصح أمام الفلسطينيين خاصة مع فشل الخيارات السياسية الأخرى، ولو نجحت الجهود في وقف عمليات التطبيع، ودفع الدول المطبعة لإعادة النظر في مواقفها فإن هذا سيصبح مكسبا كبيرا، وسيكون تكرارا لما حدث من قبل عقب انتفاضة الأقصى السابقة (عام 2000)، حيث أوقفت العديد من الدول العربية خطواتها نحو فتح سفارات وممثليات للكيان في عواصمها.

بالتأكيد هناك مخاوف لدى أنصار القضية من الالتفاف على النصر الذي تحقق ببعض المساعي السياسية التي تقودها الدول والحكومات الداعمة للاحتلال، وعلى رأسها الولايات المتحدة بطبيعة الحال، والتي تحاول الآن إعادة تعويم سلطة محمود عباس كممثل وحيد للفلسطينيين لجرها إلى حظيرة تفاوض جديدة لا تخرج منها بشيء سوى مزيد من التنسيق الأمني مع قوات الاحتلال، والخوف الأكبر هو الالتفاف على قوى المقاومة وخاصة حماس، وجرها إلى طاولات المفاوضات تحت أسقف منخفضة، وهذا هو التحدي الأكبر الآن أمامها.

عقب الانتفاضة الأولى (انتفاضة أطفال الحجارة) التي بدأت عام 1987 كانت النتيجة هي تمكن الفلسطينيين من تأسيس سلطة حكم ذاتي في الضفة وغزة (بغض النظر عن الموقف منها)، وعقب انتفاضة الأقصى عام 2000 كانت الثمرة هي الانسحاب الإسرائيلي من غزة، فماذا عسى أن تكون الثمرة الكبرى للانتفاضة الحالية؟ ننتظر.

………………………..

*نقلا عن: عربي 21

Facebook Comments