على عكس الواقع ودون دلائل واضحة تثبت ادعاءات حكومة الانقلاب العسكري في مصر عن التقدم والازدهار الذي لا يراه المصريون إلا في أفلام ومسلسلات السلطة وفضائيات المخابرات التي أهدرت نحو 800 مليون جنيه في دراما شهر رمضان الماضي فقط أو في إعلانات المشاريع الترفيهية التي تداعب خيالات المصريين دون أن يروها إلا في أحلامهم، جاء بيان وزير المالية بحكومة الانقلاب محمد معيط مؤخرا عن حال الاقتصاد المصري الذي وصفه بالمزدهر، على الرغم من تزايد معدلات الفقر والبطالة، وتراجع القوة الشرائية للجنية وزيادة التضخم، وتعاظم الديون وفوائدها!

جاء في بيان صادر عن وزارة المالية يوم الثلاثاء الماضي (25 مايو 2021م)، ليدعي أن الاقتصاد المصري يتفوق على كل الاقتصادات العالمية التي نزفت بشدة بسبب جائحة كورونا، كما حدث للاقتصاد الأميركي والسويسري والألماني والبريطاني وغيرها من الاقتصادات الكبرى.

بيان وزارة المالية المليء بالأكاذيب والأحلام الوردية، جاء عكس كلام سابق وبيانات موثوقة ورسمية لنفس وزير المالية ونفس الوزارة، على الرغم من ضرورة أن تكون بيانات وأرقام الوزارة دقيقة وحساسة، وهو ما يفقدها مصداقيتها خاصة وأنها تدير خزانة مصر وتتلقى إيرادات الدولة بما فيها الضرائب، وتشرف على المصروفات، بحسب الخبير الاقتصادي مصطفى عبد السلام.

البيان الحالم والبعيد عن الواقعية يصف الاقتصاد المصري بالصلابة والمتانة والقوة، وأنه الأفضل ليس فقط بين دول المنطقة، بل بين كل دول العالم خاصة من حيث معدلات النمو وكبح التضخم والإشادات الدولية، لدرجة تخيل للمتابع بأنه بات أقوى وأضخم في ظل كورونا، وأنه بات محصنا من الأزمات سواء الخارجية أو المحلية، وأن المواطن يلقى أحسن خدمات وبأفضل أسعار.

البيان ينقل عن محمد معيط وزير المالية، قوله "إن ما حققته مصر من مكتسبات اقتصادية يدفع الحكومة لاستكمال المسيرة التنموية، والمضي في تنفيذ الإصلاحات الهيكلية؛ لتعزيز بنية الاقتصاد القومي؛ بما يسهم في تعظيم جهود تحسين معيشة المواطنين، والارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة إليهم، على نحو يتسق مع المشروعات القومية غير المسبوقة التي تستهدف توفير حياة كريمة للمصريين".

ولا تختلف لغة الوزير عن تصريحات وزراء المالية في عهد مبارك بل وأسوأ منها حينما يبحث عن إشادة بالاقتصاد من مؤسسة هنا أو هناك، فهو يتحدث عن استمرار إشادات مؤسسات التمويل والتصنيف الدولية بالاقتصاد المصري، وأن هذا يجذب استثمارات جديدة ويوفر المزيد من فرص العمل للشباب، وأن الحكومة نجحت فى التوازن بين الحفاظ على صحة المواطنين ودوران عجلة الاقتصاد القومي، وأنها توسعت في المشروعات التنموية لتحسين معيشة المواطنين والارتقاء بمستوى الخدمات، وأن مصر من أفضل الدول فى خفض الدين بنسبة 20٪ خلال 3 سنوات رغم الجائحة، وأن بنك "غولدمان ساكس" الأميركي أكد أن مصر نجحت في السيطرة على معدلات التضخم، وأن مدير عام صندوق النقد الدولي قالت عن اداء الاقتصاد المصري إنه نموذج ناجح في الإصلاح الاقتصادي.

وبحسب التقديرات الاقتصادية، فإن بيان وزارة المالية لم يأت على ذكر لإفراط الحكومة الشديد في الاقتراض الخارجي والاعتماد على الأموال الساخنة ودورهما في تنمية الاقتصاد والحفاظ على معدل نمو إيجابي في ظل كورونا وتغطية عجز الموازنة ودعم استقرار سوق الصرف وقيمة العملة المحلية. ولم يذكر الوزير حرفا واحدا عن الطفرة في الدين الخارجي والذي زاد بنحو 15% في العام الماضي 2020 ليبلغ نحو 130 مليار دولار بزيادة 84 مليار دولار خلال فترة لا تتجاوز 7 سنوات.

وأسقط بيان المالية الأخير من حساباته كلفة الدين العام والتي تجاوزت التريليون جنيه في العام الماضي، وهو مبلغ يمثل نحو 104% من إجمالي الإيرادات العامة للدولة، ولم يتحدث عن عجز الموازنة في العام المالي الجديد الذي يقترب من 500 مليار جنيه.

والغريب أن الوزير نفسه قبل أسبوعين تحدث عن الخسائر الفادحة التي تكبدها الاقتصاد جراء كورونا والتي قدرها بنحو 370 مليار جنيه، كما تحدث أن قطاع السياحة فقد 70% من إيراداته. بل إن الأرقام الصادرة عن الوزير في البيان الأخير تخالف الكثير من الأرقام الواردة في مشروع الموازنة العامة للدولة عن العام المالي الجديد 2021-2022 والذي يشير إلى أن الحكومة تخطط لاقتراض 1068 مليار جنيه، وأن الحكومة تدفع حالياً أعلى معدل فائدة حقيقي في العالم، ويبلغ 3.75%، متفوقة على دول نامية مثل تركيا وإندونيسيا وفيتنام و46 دولة أخرى رصدتها دراسة أعدتها وكالة بلومبيرج مؤخرا!. كما لم يتحدث الوزير عن تنامي ظاهرة الاحتكارات في الأسواق، ووقوع الاقتصاد المصري في براثن الدولة العميقة، والمشاكل المتزايدة التي يعاني منها القطاع الخاص، وبالطبع لن يتحدث عن أثر غياب الديموقراطية واحترام حقوق الإنسان والمجتمع المدني على الوضع الاقتصادي وجذب الاستثمارات الخارجية.

ليس عيباً أن يتحدث الوزير عن الأزمات التي تواجه الاقتصاد المصري في هذا التوقيت بالذات، وأن قطاعات رئيسية به تنزف كما السياحة والطيران والاستثمارات المباشرة والإنشاءات. فالعالم خسر 11 تريليون دولار جراء الجائحة، وكل الاقتصادات العالمية تنزف بما فيها اقتصادات عربية لديها فوائض مالية واحتياطات ضخمة من النقد الأجنبي، ولكن من العيب أن يتقمص وزير المالية دور السياسي الذي يصرخ في الجماهير الغفيرة ويعدهم بأحلام وردية في حال انتخابه لعضوية البرلمان أو حتى لمجلس محلي.

العقل زينة ومطلوب، والمصداقية هي الأهم على المدى البعيد، والمواطن بات لا يصدق مثل هذه الأرقام ولا يأكلها، ولا يثق في البيانات الوردية طالما أن جيبه فارغ، ويعاني ضعفا في القدرة الشرائية، وزيادة في الأسعار والبطالة والفقر. والعبرة في النهاية بتحسين معيشة المواطن الصحية والتعليمية وفرص العمل وتحسين الدخل وغيرها. كما يذهب إلى ذلك الخبير الاقتصادي مصطفى عبد السلام.

بل ان الكارثة في كلام الوزير تجاهله هروب الاستثمارات من مصر والتي قدرها البنك المركزي مؤخرا بخروج نحو 21 مليار دولار من السوق المصري، إثر سياسات التكويش والعسكرة وسيل الضرائب والرسوم المتزايدة، بل والمصادرات والإجبار على بيع ووقف الاستثمارات لصالح مشاريع الجيش كما جرى مؤخرا مع شركة جهينة للألبان والعصائر.

Facebook Comments