كان المتوقع بعد تهديدات الديكتاتور عبدالفتاح السيسي الفشنك عن "الخط الأحمر" و"إللي عايز يجرب يجرب"، التي هلل لها إعلام السلطة باعتبارها تهديد بالحرب ضد إثيوبيا لو قامت بملء سد النهضة دون موافقة مصر، أن تبادر مصر بالفعل لضرب سد النهضة أو علي الأقل توربينات تشغيل السد لتعطيله. بيد أن تراجع السيسي وأركان نظام حكمه عن التهديد بالحرب بل ومنحهم إثيوبيا الضوء الأخضر لحجب المياه عن مصر بتصريحات عجيبة من وزير الخارجية سامح شكري عن أن مصر لديها احتياطي مياه في السد العالي وتنفذ مشاريع تحلية مياه البحر وتكرير مياه المجاري، أثار تساؤلات عن أسباب شراء السيسي صفقات سلاح ضخمة تزيد من وطأة الديون التي يدفعها الشعب طالما أنه لن يحارب!.

صفقات أخرى

موقع Breaking Defense العسكري نقل يوم 19 مايو الجاري 2021 عن مصادر مصرية لم يسمها أن مصر تخطط لزيادة العدد الإجمالي الذي تشتريه من فرنسا من طائرات رافال إلى 72 أو 100 طائرة مقاتلة (حاليا 54 طائرة)، اعتمادًا على قدرتها المالية!!. وقال إن مصر تتطلع الآن للحصول على طائرات Rafale F4 الجديدة، وهي الأحدث علي الإطلاق من التي اشترتها سابقا (3Rafael F) ولكن هذا الطراز الحديث لا يزال يخضع للتطوير حاليا ولن تكون جاهزة قبل 2024.

السيسي اشتري 24 طائرة "رافال" في 16 فبراير 2015م، ثم 30 أخري في 3 مايو 2021م، وطائرتي تزود بالوقود وقمر تجسس صناعي من فرنسا ويخطط الآن لأن يصل عدد الطائرات التي سيشتريها إلى 100 طائرة بحسب الموقع العسكري الغربي المتخصص في التسلح نقلا عن مصادر مصرية، فلماذا يشتري هذه الطائرات وغيرها من صفقات إيطالية وروسية وأمريكية وهو لن يحارب؟!

هل كل ذلك رشوة لفرنسا وإيطاليا ضمن رشاوي السلاح للدفاع عن انتهاكات حقوق الإنسان في مصر أو التغاضي عن قتل الطالب ريجيني أو انتقاد أمريكا لحقوق الإنسان في مصر؟  أم استرضاء روسيا لإعادة سياحها لمصر (وهو ما حدث بالفعل)؟ أم لشن حروب لحماية النظام لا الدولة المصرية مثل العدوان علي ليبيا ثم قبوله بالأمر الواقع الآن ودعمه لحكومة طرابلس؟.

لماذا لا يحارب أو يهدد بالحرب وهو يسلح نفسه حتي أذنيه، رغم تأكيد رئيس وفد التفاوض السوداني في ملف سد النهضة، مصطفى حسين الزبير، إن إثيوبيا بدأت فعليا في إجراءات الملء الثاني للسد دون التوصل لاتفاق مع دولتي المصب، وتأكيد مسؤول آخر في وزارة الري السودانية لوكالة رويترز بدء إثيوبيا فعليا في الملء الثاني لخزان سد النهضة في مطلع مايو الحالي!

ولماذا يهدد السيسي ثم يلحس تهديداته بينما الغرض الفعلي هو محاولته استجداء أمريكا بهذه التهديدات الجوفاء كي تتدخل وتنقذه من مأزق موافقته علي الكارثة حين وقع اتفاق المبادئ مع إثيوبيا الذي يرفض إلغاءه تكبرا وغرورا؟.

أموال الطغاة للرعاة الدوليين!

في نوفمبر الماضي 2020 شرحت دراسة لمعهد كارنيجي أسباب تكالب السيسي علي شراء صفقات سلاح لا تحتاجها مصر في ظل عدم نيته محاربة إثيوبيا أو الدفاع عن أمن مصر المائي، ولماذا أيضا يستمر في الاقتراض وإغراق مصر في الديون. وقالت إن نظام السيسي يعتمد استراتيجية اقتصادية تؤدّي حكما إلى تصادم أي مطالب ناشئة بتحقيق الدمقرطة مع المصالح الدولية، ويشتري الأسلحة كرشوة للغرب، ويزيد الديون كي يورطهم في مشاكل مصر بحيث لا يطالبون ولا يؤيدون الإطاحة به كي يضمنوا أن يسدد لهم ديونهم.

الدراسة أوضحت أن نظام السيسي يعتمد علي سياسة ثابتة تقوم على ربط استقراره بالمصالح الاقتصادية للمنظمات الدولية والدول الغربية والشركات الخاصة بخلاف أنه يسوّق لنفسه دوليا بأنه حصنٌ ضد الإرهاب وضد تدفقات الهجرة غير الشرعية.

بحس الدراسة: تركز سياسة نظام السيسي علي أمرين مهمين:

(أولاً): توريط مصر المتزايد في القروض الخارجية وزيادةً السندات الحكومية وسندات الخزينة القصيرة الأمد، أو "الأموال الساخنة"، وكلها أيضا ديون بغرض توريط الغرب والعالم في مشاكله الاقتصادية وعدم رغبته في رحيله قبل سداد ما أخذه.

(ثانياً): زيادة ضخمة في صفقات السلاح منذ عام 2014 ما جعل من النظام ثالث أكبر مستورد للأسلحة عالمياً بين عامَي 2015 و2019 بغرض أن تكون هذه الصفقات رشاوي للغرب.

تقول الدراسة إن مصر السيسي تعتمد بشدّة على الديون واستدان النظام مبالغ طائلة لتوليد أشكال من التبعية المالية بين النظام والفرقاء الدوليين. وتؤكد الدراسة أنه يترتب عن الاقتراض الشديد تداعيات منها:

(أولاً): يتسبب الاقتراض بتوغّل النظام عميقاً في المنظومة المالية العالمية، لأن قدرته على سداد ديونه تتوقّف على بقائه، وهذا يجعل النظام بمنأى عن الضغوط الدولية للتخفيف من القمع الذي يمارسه!. فمن شأن الاضطرابات في مصر أن تؤثّر مباشرةً في الإيرادات الحكومية، إذ تتراجع قدرة النظام على جباية الضرائب، وكذلك قدرته على إعادة تمويل ديونه، ما يزيد من احتمالات تخلّفه عن السداد.

(ثانياً): يتسبب الاقتراض بتوريط الدائنين الدوليين للنظام في استحواذه على الأموال العامة من أجل إثراء النخب العسكرية من خلال المشاريع الضخمة للبنى التحتية التي تموّلها جهات مالية دولية بطريقة مباشرة وغير مباشرة (ومن هذه الجهات حلفاء إقليميون ومنظمات دولية مثل صندوق النقد الدولي).

أيضا توضح الدراسة أن إنفاق النظام مبالغ طائلة على الأسلحة، يؤدّي لترسيخ شبكته للأمان الدولي ويترتّب على تحوّل النظام إلى مستورد كبير للأسلحة نتيجتان أساسيتان:

(أولهما): توريط الدول الغربية وصناعتها الدفاعية، التي هي المورِّد الأساسي لأجهزة المراقبة وضبط الحشود، في قمع الاحتجاجات الشعبية. و(ثانيهما): تعطيل استعداد الدول الغربية لإدانة انتهاكات حقوق الإنسان والتصدّي لها.

على سبيل المثال، استمرت إيطاليا في تزويد النظام بالسلاح حتى بعدما حامت الشبهات في ديسمبر 2018 حول تورُّط خمسة عناصر من الأجهزة الأمنية المصرية في تعذيب الطالب الإيطالي جوليو ريجيني ومقتله في عام 2016. وبدئها محاكمة 4 ضباط بقتله. هذا التدفق المستمر للأسلحة من إيطاليا دفعَ بمنظمة هيومن رايتس ووتش إلى طلب وقف مبيعات الأسلحة الإيطالية إلى مصر، مشيرةً إلى المخاوف من أن هذا السلاح يساهم في تسهيل السلوكيات الاستبدادية. فالدول، ومنها إيطاليا، تُمكِّن النظام المصري من ممارسة القمع الشديد بطريقة لن تؤدّي سوى إلى زيادة الاستقطاب السياسي، والحد من آفاق الدمقرطة، وتركيز نفوذ الدولة في أيدي الأجهزة الأمنية.

Facebook Comments