يقول السوريون في الداخل والخارج حول تغطية المجتمع الدولي لمسرحية الانتخابات الرئاسية أنها تعبير عن "عهر سياسي"، حيث اعتبرت الدول التي تبدي فقط استياءها من مذابح السفاح السوري بشار الأسد وأسياده الروس والإيرانيون غير نزيهة، حيث إنها وأيضا فقط لم تجر تحت إشراف الأمم المتحدة التي لا تكترث للملايين الذين قتلهم أو اعتقلهم أو شردهم في بقاع الأرض.
وتجنبت دول المجتمع الدولي والتي من بينها دول عربية خليجية ومصر الموبوءة بالانقلاب أنها في الأصل "انتخابات ليست شرعية"، لأن هذا يترتب عليه اجراءات تضر بالوريث نجل حافظ الأسد العميل للغرب، وأجريت الانتخابات بالمناطق غير المحررة في سوريا في مسرحية مبتذلة تشبه ما فعله السفاح السيسي في عام 2014، وفاز فيها بشار على نفسه بنسبة 95,1%. فهل حقا ما قاله الشاعر إذا الشعب يوما أراد الحياة.. فلا بد أن يستجيب القدر؟

مجرمو حرب
جاء السفاح الأب الراحل حافظ الأسد إثر انقلاب عسكري عُرف بـ"الحركة التصحيحية" وأطاح برئيس الجمهورية حينها نور الدين الأتاسي في 16 نوفمبر 1970، من هنا تبدأ أهم محطات عائلة السفاح بشار الأسد، التي يُنظر إليها من قبل الشعب السوري باعتبارهم "مجرمي حرب" دفعوا ثمن مطالبته بحريته وأبسط حقوقه.
ومنذ أكثر من خمسة عقود تحكم عائلة الأسد سوريا بقبضة حديد من عهد السفاح الراحل حافظ وصولاً إلى نجله بشار الذي خاض الأربعاء الماضي مسرحية انتخابات من شأنها أن تمنحه ولاية رئاسية جديدة من سبع سنوات.
وفي 12 مارس 1971، انتخب الأسد في مسرحية مماثلة والذي كان يترأس حزب البعث العربي الاشتراكي رئيساً للجمهورية ضمن انتخابات لم ينافسه فيها أي مرشح آخر، وكان أول رئيس للبلاد من الطائفة العلوية التي تشكل 10% من تعداد السكان.
وتوالت جرائم العائلة المجرمة بعد ذلك، إذ تصدت العائلة الإجرامية في فبراير 1982 لانتفاضة حماة، وذهب ضحيتها ما بين عشرة آلاف وأربعين ألف شخص.
وفي 10 يونيو 2000 تلاشى حافظ الأسد عن عمر ناهز 69 عاماً، ولكن السوريون لم يستريحوا ولم يستجيب لهم القدر كما يقول الشاعر، وبعد شهر تولّى نجله بشار السلطة بعد تعديل دستوري سمح له بالترشّح، وحاز في استفتاء لم يضم أي مرشح آخر سواه على 97% من الأصوات.

استبداد مشترك
ولا يختلف الأمر كثيرا في الدول العربية سواء كانت ملكية او جمهورية، فثمة قاعدة متفق عليها بين الديكتاتوريات العربية جمعاء، وهى ان من يجلس على كرسي الحكم رئيسا كان او ملكا او جنرالا جاء بانقلاب عسكري لا يفنى ولا يهلكه الدهر!
وما كادت مسرحية انتخابات السفاح السيسي تنتهي بفوزه الكاسح على منافسه الورقي حمدين صباحي بنسبة تزيد على 97 في المئة، حتى تقدم 25 عضوا من أعضاء برلمان الدم بطلب لفتح مدد الترشح للرئاسة دستوريا لتصبح أكثر من مدتين.
أي أن السفاح السيسي مثله مثل نظيره بشار، أخذه خمر السلطة، بل سكر منها وبها إلى الحد الذي يجعله يعود للمرة الثانية لنسب فوز عبد الناصر، وتاليه السادات، والمخلوع مبارك في استفتاءات الرئاسة، وإدمان الفوز بأكثر من 90%.
لم يكتف السفاح السيسي بالطمأنينة إلى حكمه مصر لأكثر من 1400 يوم أخرى، والفوز المكتسح على مرشح منافس ورقي أو اسمي فحسب، بعدما اعتقل مرشحيه الحقيقيين، وأجبر طرفا من المصريين على الحضور للجان الانتخابية، وإن رفضت الأغلبية المشاركة في المسرحية الهزلية، ولم يكتف السفاح السيسي بكل ذلك، وإنما شرع على الفور في الإعداد لحكم الكنانة بالنار والحديد من جديد لفترات رئاسية أخرى.
وللعسكريين العرب مع كرسي السلطة مذاهب وأفعايل وحماقات يأبى العقل ويرفض مجرد تصديقها، بخاصة في مصر منذ يوليو 1952م، ومنها جملة الطاغية عبد الناصر، وقد صار رئيسا بعدما سجن وأهان وعزل سابقه اللواء محمد نجيب لمناداته بعودة العسكريين إلى ثكناتهم وتسليم مصر للمدنيين ليعاودوا حكمهما، كما كان الحال قبل 23 من يوليو من العام المذكور، بعدها خرج عبد الناصر على المقربين منه في بيته بمنشية البكاري بالقاهرة قائلا في عام 1956م: "احنا مستعجلين على إيه؟ احنا قاعدين في الحكم عشرين سنة.. ولما الثورة تثبت أقدامها وتنتهي من خصومها نبقى نعمل الديمقراطية إللي انتو عايزينها"!!

ومن عجائب قدرة الله أن الطاغية لم يعش بعد هذه الكلمات 20 عاما، كما قدر لنفسه، بل توفاه الله إليه قبلها في 28 من سبتمبر 1970م، ويجمع الديكتاتوريين العرب أمراض حب الاستئثار بالحكم وإهلاك الحرث والنسل في سبيل ذلك، فيطمئنوا ولو بدرجات إلى ثبات مقاعدهم، وينشغلون بضبط الأمور واستتابها أملا في استمرار حكمهم، لكن أمثال السفاح السيسي يعرفون أنهم جاؤوا على ظهر دبابة، فإن خففوا قبضتهم، وأراحوا الشعوب قليلا من جبروتهم، عصفت بهم ومزقتهم إربا، فهو وأمثاله لا يعرفون إلا ربا واحدا والعياذ بالله.. كرسي الحكم.

Facebook Comments