الإعدامات التي تلت عرض مسلسل الاختيار2 في رمضان الماضي، لم تكن إلا واحدة من المآسي التي يعيشها المصريون؛ فمؤخرا تزايدت حوادث الانتحار، وتحول أزيز حركة مترو الأنفاق في مصر من أصوات منفرة قبيل وصولها إلى المحطات، إلى علامات فراق جديدة.
وتحولت وعود الرفاهية التي أطلقها السفاح السيسي غداة انقلابه العسكري في يونيو 2013، إلى سراب بقيعة، وعادت المنظومة الحاكمة للبطش، وتراجع دور مصر إقليميا ودوليا، واشتدت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، وأصبح الموت بالنسبة للمصريين هو الخلاص مما حل بهم، ولم يعد اكتشاف سلالات جديدة من وباء الكورونا مثل الفطر الأسود آخر ما ينغص على المصريين معيشتهم.
وسادت حالة من الجدل والخوف في مصر عقب تصريح شقيق الممثل الكوميدي، سمير غانم، بأن الأخير توفي بالفطر الأسود، بعد إصابته بفيروس كورونا.

مصالح العصابة
يؤكد عضو لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان المصري السابق محمد عماد صابر أنه منذ انقلاب 3 يوليو 2013 بقيادة السفاح السيسي، شهدت مصر تغييرات جوهرية طالت بنية الدولة ومكانتها، وهو ما ظهر واضحا في خسارة مصر لجزء كبير من ثقلها الدولي والإقليمي، بالإضافة للتراجع الحاد في دورها الريادي داخل المنظومة العربية وقضاياها، والذي يعود السبب فيه لشخصية السفاح السيسي وطبيعة نظامه العسكري السلطوي، القائم على المصالح الشخصية وليس المصالح العامة.
وحسب البرلماني السابق، فإن السفاح السيسي "فشل في إدارة شؤون الدولة، وفي التعامل مع ملفاتها الشائكة داخليا وخارجيا، كما أن انشغاله ونظامه بقتل الحياة السياسة، والتوغل في سياسة الموت، والدخول في حرب أزلية ضدّ خصومه، وحتى ضدّ أقرب المقربين منه، كان كفيلا بفشله في كل هذه الملفات".
ويضيف صابر: "التدمير الممنهج الذي نفذه السيسي لمؤسسات الدولة بذريعة القضاء على الإرهاب، وتحالفاته الإقليمية التآمرية مع ابن سلمان وابن زايد ونتنياهو، أسهم في تقليص الدور المصري، وأصبح هو ونظامه في سباق مع الزمن، لتدمير مصر، والقضاء على مقومات بقائها ونجاحها، سواء في ملف المياه، أو النهوض الاقتصادي، أو حماية أمنها القومي بما يتماشي مع مصلحة شعوب المنطقة".
ويوضح عضو لجنة العلاقات الخارجية السابق، أن الأمن القومي المصري بمفهومه الوطني، "أصبح في أسوأ مراحله، وهو ما جعل مصر مهددة على المستوى الدفاعي الخارجي، وعلى المستويات الداخلية المرتبطة بالأمن الغذائي، ولقمة العيش، وكذلك على المستوى الحياتي الإنساني بالموت البطيء، وكذلك في تحويل مصر من دولة قائدة لدولة تابعة لغيرها، ما جعلها في النهاية تتعرض لمثل هذه الإهانات الواحدة تلو الأخرى".

أحزاب العسكر
من جهته قال الناشط السياسي والمعارض، محمد سعد خير الله، إن "نهاية رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي قد اقتربت، وأن منظومته الحاكمة فسدت تماما وباتت تحتضر، خاصة في ظل اتساع حالة الغضب التي تعمّ ربوع البلاد بالكامل، وتوقف الدعم الخليجي له، فضلا عن أنه فقد رصيده الدولي بالكامل".
وذكر خير الله، أن "السيسي فقد الرصيد الدولي بالكامل، وأنشطته الخارجية باتت تنحصر في شراء الأسلحة بقروض هائلة تقع على كاهل الأجيال القادمة من المصريين"، منوها إلى أن "السيسي جاء لتخريب وتدمير مصر عن عمد، وأن الجيش قد احتكر الاقتصاد، وسحق المجتمع المدني تماما، وأغلق المجال العام، وقتل السياسة".
ودعا خير الله، وهو "عضو رابطة القلم السويدية" ومُقيم حاليا في أوروبا، كل مَن وصفهم بالمهمومين بالشأن الوطني إلى العمل بأقصى طاقة ممكنة لإخراج مصر من هذا المأزق الراهن"، مُشدّدا على ضرورة إخراج المؤسسة العسكرية من الاقتصاد والسياسية.
مضيفا:" ليس هناك الآن معارضة مصرية، فكل مَن له علاقة بالكتابة أو الاستقلال أو الرأي الحر، أو التفرد أو التميز، أو الابتكار هو داخل السجون والمعتقلات المصرية، ومَن هم بالخارج في أحزاب هزلية، كرتونية، ولي تعبير شعبوي لكنه واقعي، وهو: «أحزاب الكسكسي» التي تسمي نفسها أحزابا مدنية، وهم في الحقيقة تحت أحذية العسكر، ويختصرون النضال في الحصول على مقعد أو اثنين في البرلمان.
وتابع :"وبالرغم من إيمان بعض الشباب بخطابات زعامات هذه الأحزاب، إلا أن ذلك لم يشفع لهم وتعرضوا للتنكيل والاعتقال عندما قرر هؤلاء الشباب تكوين ائتلافات حقيقية، أما الزعامات فقد ارتضوا التنسيق بطريقة ما مع "محمود السيسي" أو "أحمد شعبان" (مدير مكتب عباس كامل) ليحصلوا على مقاعد في مجلس الشيوخ، وهو ما سيحدث أيضا للحصول على مقاعد في مجلس النواب."
واوضح خير الله أنه :"لم تعد هناك معارضة في مصر، والحل أصبح "حلا خارجيا"؛ فموضوع أن يكون الحل من داخل مصر والتعويل على المعارضة الداخلية بات أمرا مستبعدا ومستحيلا؛ فالمعارضين الذين يملكون "شرفا نضاليا" صامتون، أما مَن يظهرون على الساحة فهم في خدمة الجنرالات، ولهم حدود معينة في المعارضة، ولا يستطيعون الاقتراب من الخطوط الحمراء التي تتمثل في: الحديث بأن مَن يحكم مصر الآن "عصابة" معدومة الشرف العسكري، ورأس هذه العصابة – عبد الفتاح السيسي – عليه الكثير من علامات الاستفهام باعتبار أنه جاء لتخريب وتدمير مصر عن عمد، وأن الجيش قد احتكر الاقتصاد وسحق المجتمع المدني كاملا".
وختم بالقول: "مَن يتحدث عن هذه الأمور في مصر له مني التحية والتقدير، لكن لن تجده؛ لأن مصيره سيكون السجون والمعتقلات، أما مَن لا يستطيع أن يتحدث بمثل هذا الكلام فليصمت، لأن حديثه سيخدم الدولة المركزية المنحطة، فلم أر أحط من الدولة والنظام المصري الذي تأسس بعد انقلاب 1952، وأظن أنني لن أرى مثله في العصر الحديث أو حتى في التاريخ كله".

Facebook Comments