كشف الإعلامي عماد البحيري أن الباحث والصحفي الإثيوبي الناطق باللغة العربية، عبد الرحمن يوسف، فجر مفاجأة من العيار الثقيل، حول ما تداولته وسائل إعلام عربية من أنباء عن فشل إثيوبيا في استكمال القطاع الأوسط من سد النهضة، ما يحول دون استكمال الملء الثاني لسد النهضة. تلك الأنباء التي مررتها إثيوبيا في إطار الخداع وجد الطاغية عبدالفتاح السيسي وأجهزة مخابراته وآلته الإعلامية ضالتهم فيها لتنويم المصريين بزوال المخاطر الحالية بعملية الملء الثاني، لتبريد القلق لعام مائي جديد، قد تحدث في الأمور تغيرات يراهن عليها السيسي بعيدا عن خيار المواجهة العسكرية التي يخشاها السيسي، على الرغم من صفقات التسليح المهولة التي دخلت مخازن الجيش منذ اغتصابه للسلطة في الانقلاب العسكري يوليو 2013م ، دون فائدة حقيقية إلا في قهر المصريين، دون حتى أن يفكر في استخدام مردودها النفسي بالتهديد باستخدامها ضد إثيوبيا. 

هل فشل الملء فعلا؟

وخلال الأيام الماضية، تم تداول أنباء عن فشل إثيوبيا في إكمال إنشاءات القطاع الأوسط من سد النهضة من أجل الملء الثاني، الذي كان يستهدف 13.5 مليار م مكعب هذا العام، إلا أنه بسبب عدم اكتمال البناء فسيتم ملء 4 مليار م فقط.

الروايات الإثيوبية المتداولة، نقلت عن عدد من الخبراء في مجال الري أن إثيوبيا فشلت في عملية تعلية الممر الأوسط لسد النهضة، وأن ما يمكن أن تنجزه أديس أبابا قبل موسم الفيضان هو الوصول لطول 573 مترا فوق سطح البحر رغم أنه كان مخططا أن يصل ارتفاع الممر الأوسط إلى 595 مترا. وفي سياق الخداع الإستراتيجي، أعلن وزير الري الإثيوبي “سيليشي بيكيلي”، الجمعة الماضية، أنه جار العمل للانتهاء من بعض الأعمال الهندسية في البوابات الـ13 قبل التخزين القادم، وسوف يتم العمل على رفع الممر الأوسط إلى ارتفاع 573 مترا بدلا من 595 متر، وسوف يتم الانتهاء من التخزين في يوليو القادم.

من جانبه، قال وزير الري الأسبق محمد نصر علام إن “التراجع الإثيوبي عن تعلية الجزء الأوسط من السد واستكمال الملء الثاني العام القادم ليس مفاجأة؛ لأنه السبيل الوحيد لاحتمال تجنب المواجهة مع مصر والسودان”. وأضاف في منشور له على “فيسبوك” قائلا: “ويكفى التعلية في رأيى لمنسوب 565 مترا على الأكثر وبما يضمن تشغيل التوربينات المنخفضة”.

ووفق كلام الباحث الإثيوبي عبد الرحمن يوسف، فإن تلك الرواية باتت غير موثوق بها، وأن المخاطر تتزايد على مصر خلال الأيام المقبلة مع إقدام إثيوبيا على الملء المنفرد لسد النهضة، ما يخصم من حصة مصر نجو 30 مليار م مكعب سنويا؛ وهو ما يهدد بعطش وجفاف وتراجع اقتصادي وزراعي  لا سيما وأن مصر تواجه عجزا مائيا هائلا، وفق ما كشفه وزير الموارد المائية والري بحكومة الانقلاب محمد عبد العاطي مقدرا العجز في موارد مصر المائية، بنحو 56 مليار متر مكعب سنويا. وقال في لقاء مع بعض نواب المحافظين، وأعضاء البرلمان عن “تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين”، الذي تديره المخابرات،"إجمالي الاحتياجات المائية في مصر لحوالي 114 مليار متر مكعب سنوياً، في حين أن الموارد المائية تقدر بحوالي 60 مليار متر مكعب سنويا".

خطورة الملء الثاني

ووفق الباحث والإعلامي المتخصص بالشأن الإفريقي بدر الشافعي، فإنه "لا بد من تحديد ما المقصود بالضرر وعدم الضرر الواقع على مصر، هل الضرر المقصود به العطش، أو حدوث نقص في مخزون مياه السد العالي، أم أنه مفهوم أشمل، يتضمن أيضا الآثار الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على عملية الملء؟

ويرى أن مفهوم عدم الضرر، وفق رواية الوزير شكري، يعني وجود فائض مياه في خزّان السد العالي (إجمالي التخزين 162 مليار متر مكعب) يكفي لمواجهة أي عملية حجز للمياه تقوم بها إثيوبيا، علما بأنه لكي يتحقق ذلك، يتم حرمان بعض الفلاحين من زراعة بعض المحاصيل ذات الاستهلاك العالي من المياه، الأرز تحديدا في شمال الدلتا. وبالتالي، يعدّ هذا الحرمان ضررا من الزاويتين، الاقتصادية والاجتماعية؛ إذ من شأن التخزينين، الأول والثاني (18.5 مليار متر مكعب، تضاف إليها ثلاثة مليارات تبخر وتسرّب"؛ عدم زراعة أكثر من ثلاثة ملايين فدّان من الأرز، يمكن تصديرها إلى الخارج بعائد يقدرب عشرة مليارات دولار.

وبالتالي، لم يتحدث وزير الخارجية في تصريحاته البهلوانية عن هذا النوع من الضرر، تماما كما أنه لم يتحدّث عن الضرر الناتج من شراء مصر المياه الافتراضية (virtual water)، والتي تعني استيراد المياه في صورة سلع ومنتجات من الخارج، إذ تستورد مصر، بحسب البيانات الرسمية لوزارة الري، 30 مليار متر مكعب من المياه الافتراضية. وبالتالي، إذا كان حديث شكري عن الضرر منصبّا على وجود وفرة مائية في خزان السد العالي، أو عدم عطش المصريين، فهو صحيحٌ من هذه الزاوية، حتى وإن كانت إثيوبيا ستخزّن أكثر من ذلك، فاستهلاك مياه الشرب في مصر لا يزيد عن 5.5 مليارات متر مكعب (10% من حصة مصر من مياه النيل). أما إذا كان الحديث عن الضرر بمعنى عدم زراعة الأرض أو تبويرها "الأضرار الاقتصادية أو حتى الاجتماعية"، فهناك ضرر فعلي لأي حصةٍ من المياه تدّخرها إثيوبيا، فزراعة مليون فدّان تحتاج 5.5 مليارات متر مكعب من المياه؛ وبفرض أن لكل فلاح فدّانا ونصف فدّان، بحسب إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (9 ملايين فدّان موزعة على 6 ملايين عامل)، وأن هذا الفلاح يعول أسرةً تتكوّن، كحد أدنى من ثلاثة أفراد ؛ فمعنى هذا بطالة قرابة سبعمئة ألف فلاح، وقرابة ثلاثة ملايين مواطن مصري. وهذه النسبة يمكن أن تصبح ثلاثة أضعاف، في حالة الملء الثاني، " 13.5 مليار متر مكعب".

مفهوم عدم الضرر

إذن، قد لا تتضرّر حصة مصر من مياه التخزين الموجودة في السد العالي من هذه الزاوية، ولكن الاقتصاد المصري سيتضرر. وكذلك ستكون هناك تداعيات اجتماعية بسبب عملية الملء. ومما يفاقم الأمر أن وزارة الري، في بعض الأحيان، قد تحجز المياه في خزّان السد العالي، ولا تصرفها للفلاحين ترشيدا للاستخدام، لكن مع قرب موسم الفيضان والحديث عن "احتمال" فيضان كبير في إثيوبيا، قد لا تتمكّن الوزارة من تصريف كمية كبيرة من مخزون السد للفلاحين؛ لاستقبال الدفعة الجديدة، ما قد يضطرها لتصريف كل جزء من هذه المياه في مفيض توشكى أو الصحراء الغربية، وهو أمرٌ ناجمٌ عن غياب المعلومات الدقيقة عن حجم الفيضان، ما دفع مصر، مرارا وتكرارا، إلى مطالبة إثيوبيا بتبادل المعلومات بشأنه، كما أن تصريف المياه في توشكى يعطي مبرّرا لإثيوبيا بأن لدى مصر فائض مياه، وأن هناك تناقض بين القول والفعل.

ويضيف الشافعي: «صحيح أن مصر لن تعطش من الملء الثاني لسد النهضة في إثيوبيا، ولكن لديها عجزا مائيا سنويا يقدّر ب 20 مليار متر مكعب، هذا في حالة حصولها على حصتها كاملة من مياه نهر النيل؛ فوفق بيانات وزارة الري والموارد المائية المصرية، تبلغ إجمالي احتياجات البلاد المائية الحالية حوالى 110 مليار متر مكعب سنويًّا، تستورد منها، كما سبق القول، 30 مليار متر مكعب سنويًّا في صورة مياه افتراضية. بينما يبلغ إجمالي الموارد المائية من مياه النيل والأمطار والمياه الجوفية وعمليات التحلية حوالي 59.25 مليار متر مكعب سنويًّا. وهذا يعني وجود فجوةٍ في الميزان المائي بين الاحتياجات (المتنامية) والموارد المائية (المحدودة) تبلغ حاليا 20.75 مليار متر مكعب سنويًّا؛ يتم سداد معظمها من خلال عملية إعادة تدوير مياه الصرف الصحي والزراعي والصناعي، ومن المياه الجوفية المسرّبة من نهر النيل؛ بالإضافة إلى عملية التحلية. ولكن يلاحظ أن عملية إعادة التدوير مكلفة "عدة مليارات"، فضلا عن كونها تؤثر على كفاءة المياه، في حين يتم سداد النسبة الباقية من خزّان السد العالي عند أسوان».

وينتهي إلى أن هذا العجز المائي ساهم في تراجع نصيب الفرد في مصر من المياه بصورة مطَّردة مع زيادة عدد السكان من 22 مليون شخص عام 1950 إلى أكثر من مائة مليون شخص عام 2020، فوفقًا لأحدث بيانات منظمة الأغذية والزراعة (FAO)، تراجع نصيب الفرد في مصر من 869 مترا مكعبا من المياه عام 1997 إلى 589 مترا فقط عام 2017، ومن المتوقع أن يصل إلى 534 مترا مكعبا بحلول عام 2030، وهو ما يعني نصف مقدار حد الفقر المائي، وفق الأمم المتحدة، والذي يقدّر بألف متر مكعب للفرد سنويا. وبالتالي، أي تناقص في هذه الحصة بسبب ملء السد قد يفاقم العجز المائي بمقدار هذا الخصم؛ ما يعني أن للسد ضررا كبيرا على مصر اقتصاديا واجتماعيا، وأنه لا ينبغي حصر مفهوم الضرر في حدوث العطش، بالنظر إلى النسبة الضئيلة التي يتحصل عليها المواطن من مياه الشرب.

Facebook Comments