أثارت تصريحات وزير الري الإثيوبي سيليشي بيكيلي، أمام مؤتمر بحثي في جامعة "أربا منش" بالجنوب الإثيوبي يوم 3 يونيو الجاري، والتي كشف فيها عدم قدرة إثيوبيا على استكمال أعمال الملء الثاني لسد النهضة، والاكتفاء بملء ما بين 2-4 مليار متر مكعب بدلا من 13.5 مليارا، تساؤلات حول هدف إثيوبيا مما جري.

خبراء يرون أن إثيوبيا خدعت السيسي ،وأن لديها مشكلات فنية في إكمال تعلية السد لهذا لن تتمكن هذا العام من تخزين ما أعلنته من 13.5 مليار متر مكعب، لكنها فعلت هذا بغرض فرض إرادتها علي السيسي وإثبات أن من حقها الملء بأي كمية وفي أي وقت وبدون توقيع اتفاق مع مصر.

ويرون أن إعلان إثيوبيا عدم تعلية الممر الأوسط من السد إلى 595 مترا كما كان مقررا ،وفشلها في تنفيذ الملء الثاني كاملا، أو تخزين 13،5 مليار متر مكعب ليس تراجعا وإنما مناورة ومحاولة لتثبت حقها في الملء في أي وقت بما يجعلها تفرض إرادتها علي مصر والسودان.

كما يرى هؤلاء أن التراجع الإثيوبي لو صح سببه تقني أي أنها لم تنجح في إكمال التعلية للسد وتنوي الملء بلا ضجيج بغرض خداع مصر والسودان أو تفويت فرص التهديدات ضدها، وتستهدف من الإعلان عن الملء الثاني الكامل بـ 13.5 مليار متر مكعب، ثم إعلانها الاكتفاء بـ 4 مليارات واستكمالها في يوليه 2022 لترسيخ حقها في الملء بمفردها دون اتفاق.

اتفاق مع أمريكا

فيما يري فريق آخر أن إثيوبيا ربما اتفقت مع الولايات المتحدة علي حفظ ماء وجه السيسي أمام شعبه خشية وقوع اضطرابات لو سعت اثيوبيا لتنفيذ تهديدها بالملء دون اتفاق بما يجعل مصر ترضخ لها مستقبلا، فقررت تقسيم عملية الملء بكميات قليلة هذا العام واستكمالها العام المقبل 2022 بحيث يكون الاحتقان الشعبي زال ويجري الأمر في هدوء وتفرض إثيوبيا رأيها في كل الأحوال وإرادتها علي السيسي.

وأعلنت إثيوبيا رسميا على لسان وزير الري أنها قد فشلت في إتمام التعلية المطلوبة للملء الثاني وأن التعلية ستكون عند 572 م بدلا من 595 المطلوبة، وبذلك سيكون ملء هذا العام ما بين 2-4 مليارم3 فقط لا 13.5 مليارا.

لكن وزير المياه والري والطاقة الإثيوبي سيليشي بيكيلي قال :"إن بلاده ستبدأ في تنفيذ الملء الثاني للسد 22 يوليو المقبل 2021 ولن تلغيه ولكن سيتم العمل على رفع الممر الأوسط إلى ارتفاع 573 مترا بدلا من 595 مترا ما يعني أن كمية المياه التي سيتم تخزينها ستكون أقل".

وقد أظهرت صور الأقمار الصناعية وجود بطء شديد في تعلية الممر الأوسط لسد النهضة الإثيوبي، وهو ما يقلل من احتمالات إمكانية قيام أديس أبابا ببدء الملء الثاني وتخزين كميات المياه التي أعلنت عنها من قبل والمقدرة بنحو 13,5 مليار متر مكعب.

وكشفت صور الأقمار الصناعية عند السد عدم زيادة المخزون عن 5 مليارات متر مكعب، وأن الإنشاءات التي تجري لتعلية الممر الأوسط لسد النهضة مازالت ضعيفة للغاية، وهو ما يزيد الشكوك حول إمكانية قيام الجانب الإثيوبي ببدء الملء وتأجيل الأمر للمرة الثامنة، منذ العام 2014 لمشكلات مادية وفنية وعدم تجهيز الإنفاق أو وتركيب التوربينات.

خداع مصر

وحذر الدكتور أحمد المفتى، العضو المستقيل من اللجنة الدولية لسد النهضة الإثيوبى، من أن إعلان إثيوبيا لأسباب فنية تتعلق بالتعلية أنها لن تستطيع أن تنجز من الملء الثاني إلّا ما يقل عن 2 مليار متر مكعب، هو تحايل لتؤكد أن الملء الثانى حتى وإن كان أقل من هذه الكمية؛ سيكون بإرادتها المنفردة.

وكتب "المفتي" علي صفحته بموقع فيس بوك: «كل ما تقوم به إثيوبيا يدخل في خانة الاستدراج والحيلة، لإرساء سابقة بأن لها الحق في الملء الثاني بإرادتها المنفردة، إلّا إذا حال حائل فني دون ذلك، ويكتمل الاستدراج والحيلة، بعودة السودان ومصر إلى طاولة المفاوضات، لأن تلك العودة تقنن ذلك الجزء من الملء الثاني، ويمهد الطريق لتكمل الملء الثاني متى أرادت".

أي أن ما حدث يعتبر انتصارا لمصر والسودان لأن مجرد الملء الثاني دون اتفاق هو نصر وفرض للإرادة علي مصر والسودان.

لذا حذر الدكتور محمد نصر علام وزير الري الأسبق، من إعلان إثيوبيا تعثرها في أعمال بناء سد النهضة، حتى وإن صدر بيان رسمي بذلك، مؤكدًا ضرورة عدم التأثر بهذه التصريحات بينما لا تزال إثيوبيا مستمرة في إجراءات الملء الثاني للسد من بشكل آحادي.

وقال إن التراجع الإثيوبي عن تعلية الجزء الأوسط من السد إلى منسوب 573 بدلًا من 595 مترا فوق سطح البحر واستكمال الملء الثاني العام المقبل، ليس مفاجأة لأنه السبيل الوحيد لاحتمال تجنب المواجهة مع مصر والسودان، ويكفي التعلية لمنسوب 565 مترا على الأكثر لضمان تشغيل التوربينات المنخفضة.

فرض الأمر الواقع

أيضا حذر الخبير عباس شراقي من إن إثيوبيا وإن كانت قد فشلت في إتمام الأعمال الهندسية لتخزين 13.5 مليار متر مكعب، إلا أنها قد تستطيع تخزين ما لا يزيد عن 4 مليارات متر، ثم تخزين 10 مليارات متر مكعب سنويا خلال السنوات القادمة.

ووصف إعلاناتهم المستمرة بالملء في أي وقت بأنه محاولة لفرض الأمر الواقع ومحاولة من النظام الحاكم هناك استغلال الأمر وكسب شعبية تؤهله للفوز بالانتخابات المقبلة أيضا.

وأوضح أن إثيوبيا لن تستفيد من تخزين المياه خلف سد النهضة؛ لأنها لا يمكنها توليد الكهرباء وليس لديها أراض تستخدم المياه في زراعتها، فهي دولة حبيسة ليس لديها بحر لترمي الفائض من المياه فيها، كما أنه لا يمكنها الاحتفاظ بالمياه ومع موسم الفيضان الجديد، لابد من تفريغ المياه.

لكن كشف أن التخزين الجديد في 22 يوليه المقبل سيصل إلى حوالى 4 مليار متر مكعب ما يُمكّنُ إثيوبيا من تشغيل أول توربينين في أغسطس 2021.

ويعني هذا بلا شك فرض إثيوبيا إرادتها علي مصر بأي كمية تخزنها لأن هذا يتم بلا اتفاق، ومن ثم تفرغ أيضا تصريحات وتهديدات السيسي من مضمونها وتوفر له مخرجا آمنا للتراجع ولحس تهديداته لها أمام شعبه.

Facebook Comments