قال مراقبون: إن عبدالفتاح السيسي قائد الانقلاب العسكري حاول أن يثبت لواشنطن أنه لا يزال قادرا على التعامل مع "الملف الفلسطيني" عندما توسط لوقف إطلاق النار الأخير بين إسرائيل وحماس.

وأضاف الخبراء، في تصريحات لموقع "الجزيرة الإنجليزية"، أنه مع سقوط أول صاروخ إسرائيلي على قطاع غزة المحاصر، إيذانا ببدء هجوم عسكري لمدة 11 يوما، رأى عبدالفتاح السيسي قائد الانقلاب، "فرصة هائلة" لتأكيد نفسه سياسيا في المنطقة، وكما يقول العديد من المحللين، لإثبات نفسه للإدارة الأمريكية الجديدة.

وشكر الرئيس الأمريكي جو بايدن سلطات الانقلاب على "دبلوماسيتها الناجحة" في التوسط لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، الجماعة التي تحكم غزة.

وقال علاء طرطير: مستشار السياسات في شبكة السياسة الفلسطينية، لقناة الجزيرة إن "السيسي يود أن يوضح لإدارة بايدن أنه لا يزال بإمكانه التعامل مع "الملف الفلسطيني"، وأنه على استعداد لإتباع التوجيهات الأمريكية في هذا الصدد".

ويأتي اعتماد واشنطن على سلطات الانقلاب في الوقت الذي تشارك فيه مع كل من إسرائيل وحماس في واحدة من الدول القليلة في المنطقة.

وشارك دبلوماسيون مصريون في سلسلة من الزيارات الدبلوماسية التي ساعدت في نهاية المطاف على ضمان وقف إطلاق النار بعد حملة القصف الإسرائيلية التي أودت بحياة 253 فلسطينيا، مما عزز دورها الإقليمي، كما لعبت دولة قطر الخليجية دورا في وقف إطلاق النار.

واستقبل وزير الخارجية في حكومة الانقلاب سامح شكري نظيره الإسرائيلي في القاهرة يوم الأحد للبناء على "وقف دائم لإطلاق النار"، وفي وقت لاحق، زار رئيس الاستخبارات عباس كامل إسرائيل ثم سافر إلى غزة للقاء قادة حماس – وهي الزيارة الأولى منذ عام 2017.

وكانت جهود سلطات الانقلاب مفاجأة للبعض، إذ أن البلاد – التي تتحالف مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة – أمضت معظم السنوات الثماني الماضية في السعي إلى توثيق العلاقات مع إسرائيل.

وقّعت مصر وإسرائيل معاهدة سلام في أعقاب حرب عام 1967، وتشتركان في نفس الموقف من حماس، التي اتهمتها القاهرة بأنها وكيل لجماعة الإخوان المسلمين، وتَعتبر القاهرة المجموعة الفلسطينية تهديدا لأمن واستقرار مصر.

وصل عبد الفتاح السيسي إلى السلطة بعد الانقلاب على أول رئيس منتخب ديمقراطيا في مصر الشهيد محمد مرسي من جماعة الإخوان المسلمين في عام 2013.

"فرصة هائلة للسيسي"

وأضاف التقرير: أغلقت سلطات الانقلاب معبر غزة الحدودي مع الأراضي الفلسطينية في عام 2007 عندما سيطرت حماس عليه بعد الانتخابات، لكن على الرغم من العلاقة المعقدة بين مصر وحماس، تحاول القاهرة الآن الاستفادة من علاقتها مع الجماعة "لتحسين مكانتها في واشنطن"، حسبما قال معين رباني، المحرر في شبكة جدلية، لقناة الجزيرة.

وقال رباني:"هذا يعني أيضا أن مصر تُشارك الآن بنشاط في الجهود الرامية إلى منع تجدد المواجهة، وإبرام تبادل الأسرى، ولعب دور مركزي في المزيد من الترتيبات المرتبطة بها".

وبصرف النظر عن استعادة العلاقات مع واشنطن، كان التوسط من أجل السلام بين إسرائيل وحماس "فرصة هائلة للسيسي" لتقديم إلهاء عن القضايا الإقليمية الأخرى.

وقال محمد المصري، الأستاذ المشارك للدراسات الإعلامية والثقافية في معهد الدوحة للدراسات العليا، لقناة الجزيرة" في وقت واحد، تمكن من صرف الانتباه عن سوء تعامله مع أزمة نهر النيل الإثيوبي، والارتقاء بنفسه إلى وضع له أهمية إقليمية".

وخلال الهجوم الإسرائيلي الأخير على غزة، تعرض بايدن لهجوم كثيف من الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء لذكره أن لإسرائيل "الحق في الدفاع عن النفس" ودعوتها في وقت لاحق "كلا الجانبين" إلى وقف الأعمال العدائية.

وفي مواجهة المعارضة المتزايدة، قال طرطير:"إن إدارة بايدن بحاجة إلى "التعاقد من الباطن" على التوسط لوقف إطلاق النار الأخير مع "جهة فاعلة إقليمية".

وأضاف أن "مصر قبلت مهمة إرضاء إدارة بايدن، الولايات المتحدة أصدرت تعليمات، ومصر نفذت"، كما أنها عملت على هذا النحو بالنسبة للولايات المتحدة لأنها "ترفض التواصل مع الحكومة أو المنظمات الفلسطينية في قطاع غزة"، كما أشار رباني.

وقد صنفت الولايات المتحدة، إلى جانب الاتحاد الأوروبي، حماس منظمة "إرهابية".

وبالتالي، فإن مصر "مفوضة بالاتصال بهم [إسرائيل] للتوصل إلى وقف لإطلاق النار"، على ما قال رباني من شبكة جدلية.

وفي أعقاب وقف إطلاق النار، فإن الإدارة الأمريكية الجديدة مستعدة للتعامل مع السيسي، الذي وصفه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بأنه "ديكتاتوره المفضل"، وكان بايدن قد قال في وقت سابق:"إنه لن يكون هناك المزيد من الشيكات على بياض" للسيسي، الذي كان قد تجاهله منذ توليه الرئاسة في يناير.

وأرسل بايدن كبير دبلوماسييه أنتوني بلينكن إلى مصر، وصف خلالها وزير الخارجية الأمريكي مصر بأنها "شريك فعال" في التعامل مع التصعيد الأخير، غير أن هذا "ليس تطورا غير مسبوق"، كما أشار رباني.

وفي عهد السيسي، لعبت مصر أدوارا مماثلة، مثل الهجوم الإسرائيلي على غزة في عام 2014. كما عملت كوسيط في مناسبات أخرى مختلفة في الماضي.

وقالت سارة يركيس: وهي زميلة بارزة في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، إن مصر هي "الوسيط الطبيعي لوقف إطلاق النار" بين إسرائيل وحماس.

وأضافت يركيس لقناة الجزيرة أنه على الرغم من أن مصر تحاول تأكيد دورها في المناطق، إلا أنها تجعل من نفسها "لا غنى عنها بهذه الطريقة باعتبارها الدولة الوحيدة التي يمكنها التوسط بنجاح لوقف إطلاق النار".

الهدنة "محكوم عليها بالفشل"

ولفت التقرير إلى أن القصف الإسرائيلي دمر 1500 مسكن، ما أجبر عشرات الآلاف من الفلسطينيين على الاحتماء في المدارس التي تديرها الأمم المتحدة.

كما دمرت نحو 74 مبنى عاما، بما في ذلك بلديات محلية، وفقا للأرقام الصادرة عن وزارة الإعلام التي يديرها حكام حماس.

وقدر المسؤولون الفلسطينيون تكاليف إعادة الاعمار الناجمة عن الهجمات الإسرائيلية على غزة بعشرات الملايين من الدولارات.

وعلى غرار العديد من الدول الأخرى التي وعدت بضخ ملايين الدولارات من المساعدات، تعهد السيسي بتقديم 500 مليون دولار لإعادة إعمار غزة، وأرسلت حكومته قافلة مساعدات وأعادت فتح معبر رفح الحدودي.

كما تعهد بلينكن بمساعدة بلاده فى إعادة بناء غزة ولكنه أكد أن المساعدات يجب ألا تفيد حماس ودفعت تصريحاته يحيى سنوار، رئيس الجناح السياسي لحماس، إلى الوعد بأن الحركة لن تمس "سنتا واحدا".

لكن التعهد بالمساعدة في إعادة إعمار غزة هو مجرد "ورقة" يتم لعبها، بحسب طرطير.

وقال :" إن بطاقة إعادة إعمار غزة سيتم استغلالها مرة أخرى فى محاولة لاحتواء حماس وإسكاتها من خلال تقديم حوافز اقتصادية ومالية لها " ، مشيرا إلى المطالبة بوقف الحصار البحري والبري والجوي الإسرائيلي المفروض على الأراضي منذ 12 عاما .

وقد أطلقت الأمم المتحدة على الإقليم الذي يبلغ عدد سكانه حوالي مليوني نسمة اسم "سجن في الهواء الطلق".

ويرى طرطير أن الخطة "الأمريكية الإسرائيلية المصرية" هي إستراتيجية قصيرة النظر "محكوم عليها بالفشل".

ولا يبدو أن الجهات الفاعلة الإقليمية أو العالمية مهتمة بالتعلم من أخطائها على مدى العقود الثلاثة الماضية من الفصل بين الاقتصاد والسياسة".

مصر تساعد في الحصار الإسرائيلي على غزة

وقد ساعدت مصر منذ فترة طويلة في الحصار الجوي والبري والبحري المستمر الذي تفرضه إسرائيل. ولا يسمح المعبر الحدودي الوحيد للمشاة الذي يتقاسمه مع القطاع بدخول الضروريات الأساسية مثل الوقود أو المواد اللازمة لإعادة بناء جزء كبير من البنية التحتية التي دمرتها الهجمات الإسرائيلية السابقة على القطاع.

كما استهدف الجيش الإسرائيلي وقصف غالبية أنفاق غزة تحت الأرض التي كانت تستخدم لتهريب المساعدات والإمدادات الطبية التي تشتد الحاجة إليها.

وعلاوة على ذلك، فإن الحصار، الذي يحرم الفلسطينيين في غزة من حرية التنقل، تدعمه مصر حتى بعد تحسن العلاقات مع حماس في عام 2017.

 

https://www.aljazeera.com/news/2021/6/3/egypt-used-gaza-ceasefire-to-improve-its-standing-in-washington

Facebook Comments