يواصل نظام السيسي سيطرته الأمنية على مفاصل الجهاز القضائي في مصر، من أجل رسم عدالة بمقاييس العسكر والعقلية الأمنية لا عقلية العدل القضائي الراسخ في بعض الدوائر القضائية المصرية عبر التاريخ، والتي كان من إفرازاتها حكم الإدارية العليا بمصرية تيران وصنافير، والتي لم ينسَ السيسي آثار ذلك الحكم الذي يؤكد خيانته للمصريين، وإثبات تفريطه بأراضي مصر وحقوقها، وهو ما رد عليه السيسي في وقته بالتلاعب والالتفاف به بأحكام قضائية أقل في الدرجة والصدقية والمعايير العدلية، بل وأزاح القاضي يحيى دكروري من القضاء تعنتا وعقابا له.
ومع قرارات السيسي الصادرة قبل 10 أيام، والتي بمقتضاها سيطر على تشكيل الهيئات القضائية العليا ،وأخضع عملية التعيين والتدريب له ولسلطة الاستخبارات التي تسيطر على هيئة التدريب. 
ويمثل قرار السيسي بالإشراف على إدارة هيئات القضاء إعادة تشكيل لشخصية القاضي أو عضو الهيئة القضائية على المدى البعيد، ونقل مركز القوة في قرارات تعيينات القضاة الجدد إلى خارج الهيئات ذاتها، وتقليص دور المجالس العليا لتلك الهيئات وسلطتها في تحديد معايير الاختبار والاختيار من بين الخرّيجين المتقدمين لشغل الوظائف القضائية.
و جاء قرار السيسي بحظر قبول الخريج الواحد في أكثر من هيئة، ليمثل الخطوة الثانية على طريق السيطرة الكاملة على جميع تعيينات القضاء. وكانت الخطوة الأولى تمثلت في إخضاع جميع الهيئات لقرار السيسي بإلحاق المرّشحين الناجحين في المقابلات الشخصية ؛تمهيدا للالتحاق بالهيئات، للدراسة في الأكاديمية الوطنية للتدريب، التابعة عمليا للمخابرات العامة، بل واستخدام الأكاديمية كأداة ترشيح أخيرة ونهائية لاختيار القضاة، شأنهم في ذلك شأن المتقدمين للعمل الدبلوماسي والوظائف الحكومية الأخرى.
القرارات الجديدة

وبموجب تطبيق القرار الجديد، الذي نصّ على "عدم تكرار أسماء المقبولين للتعيين اعتبارا من دفعة عام 2018 بالنسبة لمجلس الدولة والنيابة العامة، ودفعة 2013 بالنسبة للنيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة"، على القرار السابق بالتدريب في الأكاديمية، فالأقرب للتنفيذ الواقعي أن يتم ترشيح أسماء المقبولين في جميع الجهات ابتداء من أقرب دورة لاختيار الأعضاء الجدد، بواسطة الأكاديمية الوطنية للتدريب ذاتها، والتي ستكون المنُوطة بجمع أسماء المرشحين للعمل القضائي؛ بُغية إخضاعهم للدورات التدريبية.
ويدعم هذا الاتجاه أن الأكاديمية تملك سلطة استبعاد بعض الخريجين الذين اجتازوا بالفعل الاختبارات والمقابلات الخاصة بالجهة القضائية ذاتها، حيث يتم إبلاغ أسماء المقبولين الذين اجتازوا الاختبارات والمقابلات الشخصية، ثم يتم ترشيحهم من قبل الجهات الأمنية والسيادية والرقابية، ثم يتم إلحاق المرشحين المُجازين أمنيا بالأكاديمية، وفي النهاية لا يتم تعيين إلا من اجتازوا هذه الدورة بنجاح، وكان النظام المعمول به سابقا يتيح صدور قرار قبول الخريج في أكثر من هيئة قضائية، على أن يتم تعيينه بموجب أول قرار جمهوري يصدر بذلك، ويُسمح له بالتحويل إلى هيئة أخرى بحسب رغبته، طالما تمّ قبوله. أما الآن، فلن يُقبل تدريب مقبول واحد في الأكاديمية تبعا لأكثر من هيئة قضائية، وبالتالي لن يتكرر اسم مقبول واحد في أكثر من قرار جمهوري بالتعيين.
ومقابل هذا التقليص الواضح لسلطة كل الهيئات في اختيار أعضائها الجدد، تتوسع الأكاديمية في إجراءاتها تدريجيا. وفي هذا الإطار، باتت مدة الدورة الواحدة أربعة أشهر ونصف الشهر، تُجرى بعدها الاختبارات النهائية في أربعة أيام، على أن تكون مدة الدراسة ثماني ساعات يوميا، وتدرّس المواد في صورة "حصص تدريبية متلاحقة" في مجالات الإدارة والأمن القومي وحروب الجيلين الرابع والخامس ومواجهة الشائعات والتطرف وتنظيم الدولة (داعش) والنظم السياسية، وتم تخصيص مجموعة محاضرات استثنائية في المجال القانوني للمرشحين للهيئات القضائية.
وشهدت الدفعات المُعيّنة مؤخرا في النيابة العامة وهيئة قضايا الدولة ومجلس الدولة استبعاد عدد من المقبولين؛ بسبب آرائهم وتوجهاتهم الشخصية التي ظهرت في آدائهم خلال الدورة، وهو ما يؤكد أنها ليست مجرد محاضرات علمية؛ بل وسيلة للتصفية عن قرب بإخضاع المرشح لظروف دراسية ونقاشية مختلفة، وبحسب مصادر خضعت لبعض المحاضرات القانونية بالأكاديمية، فهي تركز على الاهتمام بحجم الإنجاز وعدد القضايا والاعتبارات ذات المعايير الكمية في نفوس القضاة الشباب، ما يكون له آثار بالغة السلبية على مستقبل جميع الهيئات القضائية وطريقة إدارة مرفق العدالة.
فعلى الرغم من الاعتراف العام في جميع الهيئات أن بطء التقاضي هو من العناصر الأساسية لغياب إحساس المواطنين بإمكانية تحقيق العدالة في مصر، إلا أن الحلول التي سبق تقديمها في مختلف النقاشات والمؤتمرات منذ ثمانينات القرن الماضي وحتى الاجتماعات السابقة على تعديل الدستور العام الماضي، كانت تتعلق بزيادة أعداد القضاة والموظفين، وتوجيه المزيد من المخصصات لتطوير آليات إقامة الدعاوى ومتابعتها وتسهيل عرضها على لجان الخبرة والفحص التي تتعطل فيها معظم منازعات الأشخاص، حيث لا يكون حلّ الأزمة بالضرورة بسرعة إغلاق القضايا وإصدار الأحكام، من دون الاهتمام في المقام الأول بتحقيق العدالة في كل مُنازعة معروضة على القاضي.
مؤشرات سلبية

وكانت عدة دراسات ألمحت إلى ظهور مؤشرات سلبية في نوعية الإنجاز في العديد من المحاكم، نتيجة تسابق القضاة، وخصوصاً الشباب منهم، على إنجاز أكبر قدر من القضايا. ومثال ذلك، ارتفاع نسبة الأحكام الصادرة بعدم القبول والشطب إلى ما يتعدى 70% في بعض الهيئات، وارتفاع نسبة الأحكام الصادرة برفض دعاوى المواطنين إلى مستويات غير مسبوقة في مجلس الدولة تحديدا، فضلا عن زيادة نسبة الأحكام الصادرة بنماذج موحدة للحيثيات في قضايا الموظفين والأحوال الشخصية والنزاعات المدنية الأخرى، مع ظهور أخطاء فنية عديدة فيها، نتيجة غياب التدقيق وضعف مستوى الفحص بعد كتابتها.
وبحسب مصادر قضائية تحدثت لوسائل إعلام عربية، فقد رسّخ النظام هذا الاتجاه بتكريم المنقلب السيسي لأكثر القضاة الشباب إنجازا، وليس الأكثر تميزا، في أكتوبر الماضي مع بداية السنة القضائية الحالية، بحضور وزير العدل بحكومة الانقلاب عمر مروان.
وسبق لمجلس القضاء الأعلى ومجلس الدولة أن طلبا رسميا إعفاء المرشحين للتعيين من دورات الأكاديمية الوطنية مقابل إضافة بعض المواد والمناهج الخاصة بحروب الجيل الخامس، والعلاقات الدبلوماسية واستراتيجية السياسة المصرية، وغيرها من الموضوعات التي تركز عليها الدراسة في الأكاديمية، إلى ما يدرسه القضاة الشباب فور التحاقهم بالعمل القضائي في معهد الدراسات القضائية التابع لوزارة العدل، خصوصا أن هناك سوابق، بعد العام 2013، بتدريس مواد ذات طبيعة أمنية وإستراتيجية في هذا المعهد، لكن السيسي رفض هذا المقترح تماما، وخضعت له جميع الهيئات بحلول فبراير 2020.
يُذكر أن السيسي عدّل، مؤخرا، تشكيل مجلس أمناء الأكاديمية الوطنية للتدريب، بصورة تؤكد سلطة المخابرات العامة عليها، حيث استبقى اللواء عباس كامل مدير الجهاز، عضوا في مجلس أمنائها، بشخصه، بعدما كان يشغل هذا المنصب منذ إنشائها كممثل لـ(رئاسة الجمهورية) عندما كان مديرا لمكتب السيسي، كما يضم مجلس الأمناء عددا من الشخصيات العامة والأكاديميين.
السيطرة والهيمنة

ويفرض السيسي السيطرة والهيمنة على القضاة كما تم على وزارة الخارجية والعمل الدبلوماسي وأيضا المجال الإعلامي الذي بات خارج إطار المنافسة الدولية بل والإقليمية بعد سنوات من الريادة، ولا أدل على ذلك من الخسائر وإهدار المال العام في الشركة المتحدة المسيطرة على الدراما والفن والإعلام وغيرها، وهو ما يتكرر في الفشل المصري الدبلوماسي في الخارج، وتترجمه أزمات مصر في الغرب وفي إفريقيا وتأزم مشكل سد النهضة، وخسارة مصر الفادحة لأراضيها في تيران وصنافير والبحر المتوسط، وتراجع دور مصر الإقليمي والدولي، وخسارة مصر الكبيرة لموقعها في ليبيا وفي فلسطين في مواجهة دول أخرى كقطر وتركيا …
جانب آخر من أزمات تخريب العدالة في مصر، هو الأحكام الانتقامية الصادرة ضد معارضي السيسي سواء أكانوا أطفالا أو نساء أو شيوخا ، وبلا أدلة، وهو ما وثقته المراصد الحقوقية الدولية، وبمقتضاها صُنفت مصر في ذيل التراتيب الدولية للعدالة والحقوق والحريات.

Facebook Comments