تصريحات قائد القيادة المركزية الأميركية، الجنرال كينيث ماكينزي، حول سد النهضة تفتح باب التساؤل مجددا حول طبيعة وحدود الدور الأمريكي في الأزمة التي تعد الأكثر خطورة في قارة إفريقيا؛ حيث قال ماكينزي إنه "من المهم أن تبقى العلاقات العسكرية مع مصر قوية"، مشددا في الوقت ذاته على أن ملف سد النهضة "موضوع غاية في الأهمية بالنسبة للولايات المتحدة، التي تدرك تماما حقوق مصر التاريخية في مياه النيل".

وخلال مقابلة مع قناة "النيل للأخبار" المصرية، أضاف الجنرال الأمريكي أن "سلوك إثيوبيا نحو المشكلة الآن يقلقنا جدا، وندرك الأهمية الفريدة لنهر النيل بالنسبة لمصر، ليس فقط من الناحية الثقافية بل والموارد المائية والاقتصاد عموما". وأشار إلى أن مصر "تمارس قدرا هائلا من ضبط النفس، وتسعى إلى التوصل لحل دبلوماسي وسياسي للمشكلة، وأظهرت قيادة حقيقية في هذا المجال"، لافتا إلى أن "الولايات المتحدة تسعى لإيجاد حل مناسب لكل أطراف النزاع".

الاهتمام الأمريكي يأتي في أعقاب الدور المصري في التوصل لوقف إطلاق النار بين الاحتلال الإسرائيلي والمقاومة الفلسطينية، وهو الدور الذي قوبل بإشادة أميركية كبيرة، معنى ذلك أن ملف غزة والمقاومة هو الملف  الذي يمنح النظام في مصر أهمية لدى الصهاينة والأمريكان؛ والبرهان على ذلك أن الرئيس الأمريكي جوبايدن تجاهل التواصل مع عيم عصابة الانقلاب في مصر عبدالفتاح السيسي لأربعة شهور كاملة بعد تنصيبه رئيسا للولايات المتحدة في 20يناير 2021م، لكنه سرعان ما تواصل مع السيسي مرتين خلال الدوان الأخير على غزة (10 ــ21 مايو 2021م)، كما أرسل وزير خارجيته للمنطقة لبحث ملف التهدئة والاعتراف بأهمية الدور المصري في حماية المصالح الأمريكية في مصر والمنطقة.

ماكينزي نفسه ربط بين موقف الإدارة الأمريكية في أزمة سد النهضة بالموقف المصري من لجم المقاومة وضمان حماية المصالح الإميركية الإسرائيلية في المنطقة؛ حيث عبر خلال المقابلة مع الفضائية المصرية  عن "حرص بلاده على دعم علاقات الشراكة الاستراتيجية والتعاون العسكري بين القوات المسلحة المصرية، والولايات المتحدة، على نحو يلبي المصالح المشتركة بين البلدين". وثمن الجنرال الأمريكي ما وصفه بـ"دور مصر في وقف الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة"، واعتبرها "امتدادا لدورها القيادي والريادي والتاريخي"، مشيرا إلى أن "الموقف المصري الساعي للتهدئة مدفوع بالحرص على استقرار منطقة الشرق الأوسط بالكامل".

 

عندما اعترف السيسي بالفشل

وخلال كلمته أمام الدورة "74" للأمم المتحدة في سبتمبر 2019م اعترف السيسي لأول مرة بالهزيمة والفشل في أزمة سد النهضة وحذَّر من خطورة الانعكاسات السلبية على الاستقرار والتنمية في مصر والمنطقة. وأقر أن المفاوضات لم تفض إلى نتائجها المرجوة. وفي نبرة انهزامية، ناشد طاغية مصر الأمم المتحدة والمجتمع الدولي الوقوف عند مسئولياتهم والقيام بدور بناء في حث جميع الأطراف على التحلي بالمرونة، سعيا للتوصل لاتفاق مرض للجميع. بعدها بعشرة أيام فقط، وفي أعقاب فشل جولة مفاوضات عقدت بالعاصمة السودانية الخرطوم في بدايات أكتوبر 2019م، وبمزيد من التوسل،  عبرت رئاسة الانقلاب ــ في بيان للمتحدث باسمها عبر صفحته على الفيس بوك بتاريخ 5 أكتوبر 2019م، عن تطلعها  لقيام الولايات المتحدة الأمريكية بدور فعَّال في ضوء وصول المفاوضات بين  الدول الثلاثة إلى طريق مسدود وأن المفاوضات لم تُفض إلى تحقيق أي تقدم ملموس. وتدخلت الولايات المتحدة بالفعل في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب والذي كانت تربطه بالسيسي علاقة حميمة وخاصة، وكان التدخل الأميركي مكافأة للسيسي على دوره كعرَّاب لصفقة القرن الأميركية التي تبناها الرئيس الأمريكي السابق ترامب. لكن واشنطن فشلت في التوصل إلى أي حل بسبب الرفض الإثيوبي لأي حل للأزمة بينما وقفت الولايات المتحدة تبدو وكأنها عاجزة عن لجم أديس أبابا حتى رحل ترامب عن البيت الأبيض.

 

شكوك  حول الدور الأمريكي 

لكن التدخل الأمريكي المباشر في المفاوضات أثار كثيرا من الشكوك تتعلق بعدة أمور:

أولا، يشهد التاريخ على أن سد النهضة هو فكرة أمريكية بالأساس. ففي ستينيات القرن الماضي قامت بعثة أميركية من مكتب استصلاح الأراضي بدراسة فرص الاستثمار في موارد مياه النيل الأزرق، وبعد سنوات من الدراسة الميدانية، أوصى المكتب الأميركي بإنشاء أربعة سدود كهرومائية على طول النيل الأزرق، وحدد مواقعها ووضع التصميمات الأولية لها، وكان أحدها سدّ الحدود الذي عُرف فيما بعد بسد النهضة الكبير في موقعه الحالي.

ثانيا، تاريخيا أيضا، لم يتم التعبير عن الموقف الأمريكي من قضية بناء سد النهضة إلا من خلال عبارات دبلوماسية فضفاضة، مثل "نحن نعبر عن قلقنا المتزايد من التوتر حول مياه نهر النيل، ونناشد كل الأطراف العمل معا لحل الخلافات حول سد النهضة عن طريق التعاون فيما بينهم"، كما أشارت بيانات وزارة الخارجية عن القضية على مدار السنوات الماضية.

ثالثا، إسناد ترامب ملف الأزمة لوزير الخزانة الأمريكي ستيفن منوتشين وليس وزارة الخارجية؛  لأن وزارة الخزانة ليس من اختصاصها الموارد المائية والأنهار الدولية والسدود. معنى ذلك أن ترامب كان يتعامل مع الأزمة بمنطق الصفقات التجارية والفرصة التي يتعين انتهازها لمزيد من الربح الأمريكي؛ ويدلل على ذلك أيضا  إشراك رئيس البنك الدولي ديفيد مالباس المعروف بولائه الشديد لتصورات وأفكار الرئيس الأمريكي. كما يعني ذلك أن الإدارة الأمريكية تستبعد النظرة السياسية للأزمة رغم أن المشاركين في جلسات التفاوض هم  وزراء الخارجية. وكان سحب الملف من الخارجية وإسناده للخزانة رسالة لا تخفى دلالتها لأن الخارجية الأمريكية هي التي تقود جهود الولايات المتحدة لحلحلة الأزمة منذ اللحظة التي اعلنت فيها إثيوبيا عن بناء السد سنة 2011م.  

رابعا، بحسب وزير الري الأسبق، محمد نصر الدين علام، فإن الإدارة الأمريكية أرسلت مبادرة إلى مصر للتعامل مع أزمة سد النهضة تتضمن اعتراف مصر بسعة السد الإثيوبي ثم تتفاوض مع إثيوبيا لاحقا حول سنوات ملء السد وسياسات تشغيله وتتعهد مصر بشراء الجزء الأكبر من كهرباء السد. والمفاجأة هنا أن هذا التصور يتطابق تماما مع صياغة وثيقة اتفاق المبادئ الكارثي الذي وقَّع عليه الجنرال السيسي  مارس 2015، وذلك باستثناء عدم تعهّد مصر بشراء كهرباء السد.

سادسا، كشف نائب رئيس المركز الإقليمي لعلوم الفضاء في الأمم المتحدة، الدكتور علاء النهري، أن الولايات المتحدة تعمدت التشويش وتضليل الصور التي تلتقطها الأقمار الصناعية الأمريكية كي لا تتمكن مصر من متابعة مراحل البناء في السد وتفاصيله، وقال إن إسرائيل لها يد في الموضوع، وفق حواره المنشور في اليوم السابع في 27 أغسطس 2016، وقال في تصريح آخر إن إثيوبيا قامت بتركيب 16 بوابة للمياه في جسم السد وأنها أمريكية الصنع ومن ماركة فرانسيز.

وتذهب تحليلات سياسية إلى التشكيك في طبيعة وجوهر الدور الأمريكي، مرجحين أن دور واشنطن توظيف الضغوط الكبيرة التي تقع على النظام العسكري في مصر لإجباره على توصيل مياه النيل إلى الكيان الصهيوني مقابل التوصل إلى حل يخفف أضرار السد عليها، وهو سيناريو  قد يتم طرحه في الغرف السرية باعتباره المخرج الوحيد للازمة ما يجبر النظام على القبول به بدلا من العطش والموت جوعا وتدمير الاستثمارات الزراعية والصناعية. الشواهد والمؤشرات ترجح ذلك؛ فنظام السيسي بدأ فعليا في تشغيل سحارات سرابيوم لتوصيل مياه النيل العذبة إلى "إسرائيل" بحجة توصيلها إلى سيناء رغم أنه يقوم بأكبر عمليات تهجير لأهلها وإجبارهم على ترك قراهم ومنازلهم بسبب الحرب المستعرة التي لا يراد لها أن تتوقف. وهو ما يتفق مع البنود السرية التي تضمنتها اتفاقية "كامب ديفيد" مع إسرائيل برعاية أمريكا سنة 1979م. كما أن هذا السيناريو يضمن المصالح الأمريكية والإسرائيلية، إلى جانب تعويض إثيوبيا عن زيادة سنوات ملء الخزان أمام السد عبر مساعدات دولية تتكفل بها الإدارة الأمريكية. ولعل هذا ما يفسر الدور الإسرائيلي في أزمة السد حيث تعتبر تل أبيب أحد أهم الأطراف التي حرضت ولا تزال تحرض أديس أبابا على التعنت التلكؤ وفرض الأمر الواقع وهو ما أمدت إثيوبيا بمنظومات دفاع جوي لحماية السد ضد أي هجوم مصري  محتمل حتى يرضخ المصريون لهذا السيناريو الأثيم.

Facebook Comments