الحكم الذي أصدرته دائرة الأحزاب السياسية بالمحكمة الإدارية العليا السبت 19 يونيو 2021م، برفض دعويين مقامتين من المحامي سمير صبري لحظر حزبي "مصر القوية"  الذي يرأسه الدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح المعتقل حاليا في سجون الديكتاتور عبدالفتاح السيسي، وحزب "العيش والحرية" الذي يرأسه المحامي والمرشح الرئاسي السابق خالد علي يراه البعض انتصارا للحزبين والمشهد السياسي بينما يراه البعض بلا جدوى في ظل حالة الانعدام السياسي واغتيال الحياة السياسية بانقلاب 3 يوليو 2013م الذي أجهض المسار الديمقراطي وقتل أي معنى للحياة السياسية والتداول السلمي للسلطة في ظل الهيمنة المطلقة للأجهزة الأمنية على مفاصل الدولة ومجمل المشهد السياسي.

"العيش والحرية" هو حزب سياسي تحت التأسيس، منذ نوفمبر 2013، حينما أعلنت 280 شخصية سياسية وحزبية عن تأسيسه كحزب يساري، فيما اختصمت الدعوى وكيل الحزب السابق المحامي خالد علي، الذي استقال من منصبه بعد اتهامات بحقه بالتحرش الجنسي، برأه الحزب منها في فبراير 2018م. أما "مصر القوية"، فقد تأسس في 12نوفمبر 2012، برئاسة المرشح الرئاسي أبوالفتوح، الذي حل رابعا بانتخابات عام 2012، وهو من أحزاب "يسار الوسط".

وزعم المحامي المقرب من أجهزة السيسي الأمنية أن "أبو الفتوح" تربطه علاقة تنظيمة بجماعة الإخوان المسلمين، مدعيا أنه "أداة منفذة لتعليمات التنظيم الصادرة إليه"، مطالبا بعزله من الحزب. وكان أبو الفتوح قد اعتقل في أعقاب عودته للبلاد في فبراير 2018م، ورغم مرور أكثر من سنتين على حبسه احتياطيا، إلا أن النيابة العامة أكدت عدم إخلاء سبيله الثلاثاء، 15يونيو 2021، فيما تعرض عدد من قيادات الحزب للاعتقال، بينهم نائب رئيس الحزب محمد القصاص.

وأد الحياة السياسية

ويرى مراقبون أن النظام سمح ببقاء الحزبين حتى لا يبدو أنه يقيد الحياة السياسية، مؤكدين أن لديه قبضة أمنية على السياسيين، وصنع قوانين تجمد عمل الأحزاب، وتراقبها، وتقلل من دورها، كما حصر عملية الممارسة السياسية والحزبية بحزب "مستقبل وطن" صاحب التمثيل الأكبر بغرفتي البرلمان.

ويؤكد هؤلاء أن الحياة السياسية في مصر جرى اغتيالها منذ الانقلاب على التجربة الديمقراطية منتصف 2013، وعلى الإرادة الشعبية، وسجن وقتل الرئيس المنتخب محمد مرسي والآلاف من أنصاره ومؤيديه. واليوم باتت السياسة جريمة يعاقب المشاركون فيها إذا خالفوا توجهات النظام العسكري؛ ولم يعد لأجهزة السيسي الأمنية عمل سوى اعتقال النشطاء السياسيين والحقوقيين وملاحقة كل من يمارس نشاطا سياسيا أو حقوقيا يفضح جرائم النظام وانتهاكاته المروعة ضد حقوق الإنسان.

وأكدوا أنه لا جدوى أن يبقى الحزب حيا في الأوراق الحكومية ميتا في الحياة الميدانية بلا نشاط أو دور ولا يمارس عمله السياسي كما ينص عليه الدستور؟! وما جدوى الحزب إذا كان قياداته رهن الاعتقال ولا يقدرون على ممارسة أي نشاط سياسي فضلا عن منافسة الأحزاب الأخرى؟ وهل يمكن لأي حزب سياسي في مصر أن ينافس الحزب الأكبر في البلاد "حزب الجيش" الذي يحتكر مفاصل البلاد السياسية والاقتصادية والإعلامية؟! وما معنى أن يكون هناك أحزاب على الورق بينما مصر كلها محبوسة ومعتقلة ولا تقدر على فعل شيء؟!

السياسة ممنوعة

الواقع أن النظام لا يكترث كثيرا لأحكام مصادرة وغلق الأحزاب وحظرها؛ ذلك أن يصادر الحياة السياسية كلها من الأساس، ولا يسمح لأي حزب بممارسة نشاط سياسي جاد وحقيق يمكن أن يهدد  سيطرة "حزب الجيش" على االسلطة وهو الحزب الذي يضم المئات من جنرالات النخبة العسكرية والمخابراتية والأمنية ولفيف من رجال الأعمال المقربين من السلطة والذين اختطفوا المؤسسة العسكرية والمؤسسة الأمنية وباقي مؤسسات الدولة لتوظيفها لخدمة أجندتهم وأجندة الرعاة الإقليميين والدوليين لهم.

ويرى الدكتور ممدوح المنير، مدير "‏المعهد الدولي للعلوم السياسية والإستراتيجية"‏، أن "مصر لا يوجد بها أحزاب سياسية من الأساس حتى تكون فيها حياة حزبية". وبحسب تصريحاته لموقع "عربي  21" فإن قرار المحكمة الإدارية العليا لن يكون له أثر حقيقي لا لهذين الحزبين و لا لباقي الأحزاب ، مبينا أن "السيسي يكره كل ما له صلة بالديمقراطية من حياة سياسية وحزبية، وغير ذلك من مكوناتها".

وأكد أن "الأحزاب في مصر الآن، سواء كانت مؤيدة للنظام، أو ما تسمى معارضة، لم تصنع شيئا لمصر؛ اللهم إلا المشاركة بمسرحية السيسي الرديئة (الانتخابات) التي تصنعها أجهزة المخابرات، وتكتب فصولها الأجهزة الأمنية، وتوزع الأدوار على الأحزاب".

وتابع المنير: "بالطبع لا أعمم؛ فهناك أحزاب لا تحركها الأجهزة الأمنية، ولذلك تم إفقادها الفاعلية والتأثير، ولم يعد لها من اسمها إلا اللافتة دون مضمون". وختم بالقول إن "هذا الحكم لن يغير شيئا من واقعنا السياسي المأزوم بحكم العسكر".

وفي مصر الآن أكثر من 100 حزب سياسي، وفق تقديرات شبه رسمية، لم تستطع تقديم مرشح يخوض الانتخابات الرئاسية أمام رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي، بدورتي 2014 أو 2018، ويسيطر على البرلمان بغرفتيه حزب "مستقبل وطن" الذي أسسه جهاز المخابرات ، فيما يتم اختيار نواب البرلمان وفقا لتصنيفات أمنية بحتة، وفق مراقبين.

Facebook Comments