لا يقوم وطن يفتقر للإنسانية، ولا يقوم وطن يمكن أن تضيع فيه الحقيقة والعدالة، ولا يمكن أن تستمر دولة فقدت مصداقيتها أمام العالم بعدما فقد البعض ضمائرهم فيه فقتلوا وعذبوا، وهذا هو الفرق بين "مصر العسكر" وأمريكا حين تطبق العدل بين الأمريكيين، حتى ولو كان الطرف المعتدي ينتمي إلى الشرطة.
وأصدر بيتر كاهيل قاضي مقاطعة هينيبين حكما بسجن رجل الشرطة الأبيض ديريك تشوفين لمدة 22 عاما ونصف العام بتهمة القتل العمد لجورج فلويد ذي الأصول الأفريقية.
وجاء القرار بعد محاكمة تاريخية نُقلت إجراءاتها في بث حي شاهده ملايين الأمريكيين، توصلت خلالها هيئة المحلفين إلى إدانة تشوفين بتهم القتل غير المقصود من الدرجة الثانية، والقتل من الدرجة الثالثة، والقتل غير العمد من الدرجة الثانية في وفاة فلويد يوم 25 مايو 2020.
وكان مقطع الفيديو الذي التقطه أحد المارة لـ"تشوفين" ضاغطا على رقبة فلويد لعب دورا رئيسيا في مساعدة هيئة المحلفين على اتخاذ قرار إدانة الضابط السابق.

فلويد مصر..!
في 8 فبراير 2018، تحدثت عناوين الأخبار عما أسموه "الفصل الأخير" في "ترحيلات أبو زعبل" بعدما حكمت محكمة جنح مستأنف الخانكة، في إعادة محاكمة جرت واحدة منها، في 13 أغسطس 2015، بمعاقبة المقدم عمرو فاروق، بالحبس مع الشغل لمدة 5 سنوات، ومعاقبة كل من النقيب إبراهيم محمد المرسى والملازم أول إسلام عبدالفتاح حلمي والملازم أول محمد يحيى عبدالعزيز، بحبس كل منهم لمدة سنة واحدة مع إيقاف التنفيذ.
واعتبر مراقبون وحقوقيون أن الأحكام التي صدرت ضدهم تافهة، بعد إخلاء سبيل المجرمين ليعيثوا فسادا في الأرض. في وقت لم يتنازل أولياء الدم الأب والأخ والابن عن حق من قضوا في المجزرة الجديدة في محيط سجن أبو زعبل بالقليوبية.
يقول الناشط صلاح الباسل: "قضاء أمريكا الكافرة حكم علي ضابط قتل جورج فلويد بـ40 سنة سجن.. قضاء مصر بلد الإسلام حكم علي من قتل 37 بالبراءة.. شامخ مفيش كلام".
في 18 أغسطس 2013 كانت جريمة قتل على الطريقة النازية نفذتها داخلية الانقلاب لـ37 نفسا في صندوق سيارة الترحيلات. المراقبون عدّوها الفصل الثالث لمشاهد واقعية من تصنيف دولي بعنوان "جريمة ضد الإنسانية"، لا تقل بشاعة عما جرى في فض اعتصامي رابعة العدوية ونهضة مصر، أو في جريمة مجمعة، جرت في 16 أغسطس 2013 باستشهاد نحو 210 شهداء، داخل مسجد الفتح بشارع رمسيس بعد أن تم قنصهم منذ انطلق أذان جمعة الغضب.
تزامن معه قتل نحو 100 آخرين، على أقرب تقدير، توزعوا بين مسجد علي بن أبي طالب بسموحة بالإسكندرية وفي بورسعيد والسويس والإسماعيلية والعريش وبالوظة بشمال سيناء وفي دمياط إضافة لضحايا آخرين أمام مستشفى المبرة بالزقازيق وفي محافظة المنيا وفي المحلة والمنصورة.

"ريجيني" العسكر
في بداية 2016 لقي طالب الدراسات العليا الإيطالي جوليو ريجيني مصرعه في القاهرة، أظهر فحص الطب الشرعي تعرضه للتعذيب قبل موته.
وكان ريجيني يعمل على بحث حول النقابات العمالية في مصر عندما اختفى في 25 يناير 2016 يوم الذكرى الخامسة للثورة المصرية التي أطاحت بنظام حسني مبارك، وعثر على جثته بعد أسبوع نصف عارية وبعظام مكسرة وحروق وكدمات في كل جسده.
ومن المستبعد أن تعرض الحكومة الإيطالية العلاقات مع عصابة العسكر بمصر والتي لا تشمل على صفقات السلاح ولكن إدارة حقل للغاز الطبيعي ومنع تدفق المهاجرين غير الشرعيين.
يقول الناشط عويس الراوي: "جورج فلويد قتله شرطي أمريكي بالخطأ فاشتعلت أمريكا بمظاهرات عنيفة واتحاكم ٤ شرطيين ريجيني اتقتل في مصر فإيطاليا جالها صفقة سلاح رشوة، خدتها وتاني يوم طلبوا حق ريجيني تاني وماسكتوش نافالني اتسمم في روسيا عالجوه في ألمانيا والدول الأوربية فرضت عقوبات على روسيا عشانه".
ويقول الناشط تحسين الباشا: "مقتل جورج فلويد على يد مواطنه الأمريكي فجر مظاهرات عارمة وصلت إثرها لبريطانيا.. وقتل غدرا ريجيني الإيطالي في بلد سفح الدماء. ولم يتظاهر الإيطاليين بل دعموا قاتليه بصفقة أسلحة.. الإنسان الأمريكي غالي جدا ولو كان ملونا. والإيطالي وقع قيمته ليساوي المصري.. واسالوا الكويتيين عنا".
وقتلت الشرطة المصرية خمسة أفراد أبرياء كانوا يستقلون سيارة ميكروباص، وزعمت كونهم عصابة قتل ريجيني ولا يوجد دليل مقنع يؤيد كلام الشرطة عن احتمالية قتل العصابة لريجيني، وفشلت الشرطة في تقديم دليل واحد مقنع لإيطاليا ببراءتها من قتله، بل إن قتل المشتبه فيهم الخمسة أثار الكثير من الشكوك ناحية أجهزة الأمن، وحَمَّل الشرطة المسؤولية عن دوافعها لقتل الخمسة، والذين يطالب قطاع من المصريين الآن بحقهم، وتوج تلك المطالبات بهاشتاج على تويتر بعنوان «#عايزين_حق_الخمسة_قبل_ريجيني» فإن كانوا لصوصا أو حتى قتلوا ريجيني فإنه يتعين على الشرطة ضبطهم وتقديمهم للمحاكمة وليس تصفيتهم.
وحتى ادعاء أن مخابرات أجنبية قتلته ينسفه العثور على متعلقات الباحث، وتلك المتعلقات هي مفتاح حل لغز القضية سواء كانت تلك المتعلقات كانت تخص القتلى الخمسة حقيقة أم دُست عليهم.
وتصف وسائل الإعلام العالمية الأوضاع في مصر بسبب أزمة ريجيني بأسوأ الصفات، منها "قتلوه كما لو كان مصريا"، و"المصريون كذبوا علينا وأهانوا ذكاءنا"، و"استبداد في القاهرة: مقتل جوليو ريجيني يشير إلى العفن الذي ينخر في الدولة المصرية"، ورغم فظاعة تلك الصفات تعاملت عصابة الانقلاب بمصر مع القضية بنفس أسلوب أبطال فيلم "ثرثرة فوق النيل" عندما قال لهم الفنان عماد حمدي "الفلاحة ماتت ولازم نسلم نفسنا"، إلا أنهم حولوه لمقطع غنائى وهم يرقصون غير مبالين بالمشكلة التي صنعوها أو الدم الذي سال.

Facebook Comments