يمثل اليوم 28 يونيو، اليوم الرابع عشر، من صدور أحكام الإعدام بحق 12 من قيادات الإخوان وشخصيات وطنية أخرى، ضحايا مذبحة نظام السيسي العسكري. واليوم هو نهاية المُهلة الدستورية التي يمكن للسيسي أن يُصدّق على أحكام الإعدام أو يلغيها أو يخففها.

إلا أن البوادر تشير إلى أن السيسي ونظامه ما زالوا يحرصون على الولوغ في دماء المصريين الأبرياء من أجل استمرار جمهورية الخوف والقهر لباقي المجتمع،

وسط تقديرات بانفجار شعبي كبير بسبب سياسات الفشل العسكري في ملفات حيوية تهدد بقاء الدولة المصرية، كسد النهضة والأسعار والضرائب وسياسات النهب الاقتصادية لمقدرات المصريين.

وتحت عنوان "مصر: فستان البنت وبستان الدم" كتب المحلل والكاتب الصحفي وائل قنديل، بجريدة العربي الجديد، قائلا: "من المفترض، حسابيا، أن يكون اليوم 28 يونيو2021 هو آخر الأيام الـ 14 للتصديق على قرار محكمة النقض المصرية بإعدام 12 معارضا مصريا، أو تخفيف الحكم أو إلغائه، ذلك كله بيد شخص واحد منحه القانون المصري سلطة التصرّف، هو عبد الفتاح السيسي".

أحكام جائرة

مضيفا : "الأحكام النهائية الصادرة في قضية فض اعتصام ميدان رابعة العدوية شملت سياسيين ووزراء ودعاة وشبابا، يشتركون في أنهم كانوا ضد الانقلاب العسكري الذي وقع بمصر، في مثل هذه الأيام قبل ثماني سنوات، مُدشّنا عشرية قضائية سوداء، وضعت مصر في ذيل الترتيب على مؤشر العدالة والنزاهة العالمي، الأمر الذي جعل إراقة الدماء وهدر القانون عملا وطنيا عظيما، في عُرْف المُمسكين بالسلطة".

وبحسب القانون، فإن مرور 14 يوما على إعلان الأحكام النهائية الباتّة بالإعدام، من دون تدخل من رأس السلطة التنفيذية، بإبدال العقوبة أو العفو، يعني أنه لم يبقَ إلا تنفيذها، مع الوضع في الاعتبار أنه في حالات مشابهة سابقة، لم يتم التنفيذ بعد، فيما تم التعجيل بالتنفيذ في حالات أخرى نادرة".

وتابع قنديل: "كان من المتصوّر أن تكون الأيام الفائتة نضالا حقوقيا وإنسانيا لا يتوقف في الداخل والخارج من أجل كبح هذه الروح الانتقامية التي تُريق دماء بريئة، كما تذبح سمعة القضاء والعدالة في مصر، غير أن شيئا كبيرا لم يحدُث لمنع هذا الجنون في تصفية الخصوم السياسيين".

الأطراف الدولية التي بنت صورتها الذهنية لدى الجماهير المتطلعة إلى العدل والحريات، على إعلان مواقف واضحة ومبدئية ضد عمليات القتل السياسي التي تدور في ساحات القضاء، بدت صامتة، أو بالحد الأدنى مستسلمة أمام هذا التوحش، بل بدا بعضها وكأنه يكافئ السلطات المصرية بإسكات الأصوات والمنابر التي كانت تنقل مأساة إعدام الأبرياء للرأي العام، كما جرى في حملة إغلاق المنابر الإعلامية في تركيا، ومطاردة المشتغلين فيها في أدغال "السوشيال ميديا".

مناخ مُتكيّف مع الفساد

في هذه الظروف، يبدو المناخ الإقليمي والدولي متكيفا مع الاستبداد، متصالحا مع الطغيان، في لحظة تتقدم فيها المصلحة المادية المباشرة على المبادئ والشعارات والقيم، إذ يصير المكسب الاقتصادي، والربح السياسي، أسبق وأعلى من المعيار الأخلاقي، بل قد يتحوّل الأخير في لحظة إلى اتهام بالجمود والجهل بلغة العصر والانفصال عن الواقع، كما هو حاصلٌ في حالة الرئيس الأميركي الجديد، جو بايدن، الذي تحدّث إلى العالم من فوق صهوة جواد الديمقراطية وحقوق الإنسان، ثم سرعان ما رأيناه يتريّض مع الطغاة في حدائق الفاشية. منظمات حقوقية متهمة بموازاة ذلك، وجدت المنظمات الحقوقية نفسها متهمة بخيانة الأوطان والعبث بالأمن القومي للبلاد، ليس فقط عن طريق أحكام القضاء ذاته الذي يُصدر قرارات الإعدام السياسي بالجملة، وإنما كذلك بواسطة آلة إعلامية جبارة تطلق النار على كل من يقول لا لهذه البيئة السياسية والقضائية الكارثية التي تغرق فيها مصر".

"اشتغالات" الانقلاب للمصريين

ويلفت إلى أنه "في الأثناء، يغوص الداخل حتى رأسه في مواضيع وملفات أخرى، يتم إشعالها وتغذيتها بالوقود على نحو منتظم، حتى تصبح، مع الوقت، هي القضايا الوطنية والاجتماعية الكبرى، التي تحدّد مصير الوطن والشعب، فتجد المجتمع كله مستسلما للسباحة في بحيرات الكلام والثرثرة عن فتيات "السوشيال ميديا"، أو تجده مُستنزفا، بنُخبه وجماهيره، في مسألة فستان الطالبة التي لاقت تنمّرا من موظفي لجنة المراقبة على الامتحانات، وكذا معركة المايوه البيكيني ضد المايوه البوركيني، ومنع سيدة ترتدي الأخير من ارتياد الشاطئ.

المشكل في هذه المسائل أن هناك من يناضل لفرضها بوصفها القضايا الرئيسة في جدول أعمال الأمة، لتكتشف أنها تستحوذ على مساحات من الضوء والاهتمام الإعلامي أكبر من مساحات الكلام في موضوع سد النهضة، مثلا..

والأخطر هو الاستسلام لاعتمادها المدخل الأساس والعنوان الأكبر لقضية الحريات والعدل وحقوق الإنسان، في مجتمع مخنوق بحالة طوارئ تتجدّد منذ سنوات، من دون أن يحاول استرداد حقه في حياة عادية، يحكمها القانون العادي".

ملاذ سهل

هذا الطقس يوفر ملاذا سهلا وغير مكلف للمتواطئين بالصمت على فجيعة أحكام الإعدام بحق السياسيين المعارضين، فيحتشدون، بكل طاقاتهم، لخوض معركة الفستان، باعتبارها معركة تحديد مصير شخصية مصر، والدفاع عن حريتها وحقوق إنسانها، فيما يتم استبعاد، أو إسقاط قضية بستان الدماء المهدرة بأحكام القضاء المسيس من جدول أعمال الثرثرة والجدل، فتنقضي الأيام والساعات، بينما عشرات الأسر تحت مقصلة الانتظار والترقب، وحدها.

أداة ضغط

وعلى جانب آخر، يتوقع الباحث والحقوقي أحمد مفرح، أن :"لا يغير السيسي من أحكام الإعدام، ويتركها كأداة ضغط في معاركه القادمة، سواء مع الداخل أو الخارج.. قائلا في مقال له :"الذين ينتظرون رفض عبد الفتاح السيسي التصديق على أحكام محكمة النقض النهائية، والباتّة، بإعدام 12 من معارضيه لا يدركون الحقيقة: الانقلابات العسكرية تأتي بالدم لا بالعفو، بالقتل لا بالمناورة، فمنذ العام 2013، وطبقا لرصد "كوميتي فور جستس" وتوثيقها، تم تنفيذ حكم الإعدام على 92 معارضا في قضايا ذات طابع سياسي، كما صدرت أحكام نهائية وباتّة بالإعدام على 64 آخرين ينتظرون دورهم على حبل المشنقة في أي لحظة".

وفي قضية فض الاعتصام في ميدان رابعة العدوية في القاهرة تحديدا، في أغسطس 2013، والتي وُصفت جريمة فضها بأنها "من أكبر عمليات قتل المتظاهرين في يوم واحد في التاريخ الحديث".

لا خلاف على أن من نجا من المذبحة اُقتيد إلى السجن، ليقبع فيه مع خطة قتل ممنهجة، فمن لم يمت بسبب الإهمال الطبي أو التعذيب البدني والمعاملة اللاإنسانية أو المُهينة قد يتم التخلص منه بالإعدام. 3 سياقات للإعدام وفي المجمل، وضع نظام الانقلاب ثلاثة سياقات لإخراج مسرحيات الإعدام والقتل، في خطوة إقصائية لم تعرفها البلاد في تاريخها القريب: سياق واقعي قام فيه بعمليات قتل مباشرة لمعارضيه علي مرأى ومسمع من العالم، كما حدث في فض اعتصامي ميداني رابعة العدوية والنهضة. سياق مغلق، كما الحال في السجون ومراكز الاحتجاز عن طريق الإهمال الطبي وسوء المعيشة والتعذيب حتى الموت. سياق مفتوح، لكنه يخضع للسيطرة الكاملة، كما في المحاكم القضائية عن طريق إصدار أحكام بالإعدام. وقد أخبر أحد المحامين الكبار الكاتب أن :"واحدا من قضاة الإعدامات في مصر لا ترُدّ محكمة النقض أحكامه، إذ لا يترك فرصة، ولا يمرّر خطأ في استدلالاته المعيبة، يتأنى ويسمع ويفكر ويقدّر ويدبر ويبني القضية بهدوء، لتبدو متماسكة، ليرفع عن محكمة النقض الحرج، ويعطيها غطاء مُحكما لتمرير أحكامه".

أما في هذه القضية تحديدا، فإن السياسي يختلط بالقانوني، فلا القاضي بداية بناها بإحكام، ولا "النقض" التزمت بأدنى درجات المصداقية، ولو المصطنعة، في تمريرها".

الجميع يعلم أن النظام القضائي في مصر يخضع بالكلية للنظام السياسي، فهو أداة من أدوات قمعه. وأن مساحة التبعية تتجاوز التخلي عن جزيرتين إستراتيجيتين بقرار سياسي إلى تقنين الحبس الاحتياطي لعشرات آلاف من المعتقلين سنوات، والاستيلاء على أموال رجال الأعمال بالقوة الجبرية، كما حدث مع صفوان ثابت، مالك شركة جهينة ونجله، ورجب السويركي، صاحب سلاسل التوحيد والنور".

كما أنه منذ واقعة مقتل النائب العام هشام بركات، والإشارات التي خرجت من السيسي بين القضاة، عمل النظام على تصفية معارضيه، تحت مظلة القضاء، المسمّاة بالعدالة الناجزة. أما ضحايا فض الاعتصام في ميدان رابعة تحديدا، فالأجواء تُجهز، منذ أشهر، عبر الدراما الرمضانية لإعدامهم، والقاتل الجلاد في الفصل الأخير من القصة الدامية هو القاضي.

وتبقى السيناريوهات المستقبلية مفتوحة على مصراعيها أمام إجرام السيسي، ما يستدعي هبّة شعبية من الجميع في الداخل والخارج ضد انتهاكات السيسي وسياساته الإجرامية بحق الجميع في مصر.

Facebook Comments