رغم أن اتفاق مصر مع صندوق النقد الدولي أواخر عام 2016 قد تضمن ضمن بنوده ممارسة الحكومة المصرية المزيد من الشفافية والإفصاح للبيانات الاقتصادية، إلا أن العديد منها ما زال غائبا. ولم يكن ذلك عائقا في استمرار منح مصر أقساط الدين المتفق عليها سواء عام 2016، أو قروض ما بعد ظهور فيروس كورونا.

ولم تتناول بيانات الصندوق الدورية حول أداء الاقتصاد المصري مسألة غياب بعض البيانات؛ لأنه هو الآخر يمارس نفس الأمر حين لا يتناول بعض البيانات، مثل بيانات الفقر بمصر.

وفي مجال السياحة ورغم وجود مركز للمعلومات السياحية بوزارة السياحة، كان يمد الصحفيين العاملين بمجال السياحة بالبيانات التفصيلية الشهرية، عن عدد السياح الواصلين من الدول المختلفة، إلا أن وزارة السياحة المصرية قد توقفت عن إصدار أية إحصاءات منذ تولت حقيبتها رانيا المشاط في كانون الثاني/ يناير 2018.

بل قامت الوزيرة أيضا بدفع الجهاز المركزي للإحصاء رغم تبعيته لوزارة التخطيط، للتوقف عن إصدار أية إحصاءات عن السياحة المصرية، بعد أن ظل لسنوات يصدر نشرة شهرية عن عدد السياح القادمين من الكثير من دول العالم وعدد الليالي التي يقضونها، ونشرة سنوية تتضمن إجماليات عدد السياح الواصلين وعدد الليالي السياحية التي قضوها.

وكان هذا الأمر قد حدث من قبل بعد حادث إطلاق النار على السياح بمدينة الأقصر جنوب مصر في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 1997، حين توقف جهاز الإحصاء عن إصدار أية تقارير عن إحصاءات السياحة، لكنها عادت للصدور بعدها بفترة. ورغم تولي خالد العناني حقيبة السياحة منذ كانون الأول/ ديسمبر 2019، فما زالت النشرات الشهرية والسنوية الخاصة بالسياحة بجهاز الإحصاء متوقفة عن الصدور.

توقف إصدارات قناة السويس

كما توقف المصرف المركزي عن إصدار بياناته المختصرة عن عدد السياح القادمين من المناطق الجغرافية الإقليمية منذ شباط/ فبراير 2019 وحتى الآن، وإن كان إصداره لبيانات ميزان المدفوعات يجعله ينشر الإيرادات السياحية بشكل فصلي.

أما حركة السياحة المصرية إلى دول العالم، والتي تقوم العديد من الدول بنشر تفاصيلها من حيث عدد السياح الخارجين منها إلى بلدان العالم المختلفة، فلا توجد بيانات مصرية في هذا الشأن من أية جهة محلية، سوى بيانات ميزان المدفوعات عن المدفوعات السياحية للخارج بشكل فصلي.

وفي ما يخص إحصاءات الملاحة بقناة السويس، فقد ظلت هيئة القناة منذ عقود تصدر نشرة شهرية وأخرى سنوية عن تفاصيل حركة الملاحة؛ من حيث عدد السفن وحمولتها والإيرادات السياحية وكمية البضائع العابرة من العديد من السلع، خاصة النفط والغاز الطبيعي وغيرها، إلا أنه بعد تراجع إيرادات القناة بعد افتتاح التفريعة السابعة لها في آب/ أغسطس 2015؛ فقد لجأ رئيس الهيئة حينذاك مهاب مميش إلى تعطيل صدور كلا النشرتين الشهرية والسنوية، كما استخدم الجنيه المصري في تصريحاته عن إيرادات القناة رغم انه لا يتم التعامل به مع السفن المارة، كي يستفيد من تغير قيمة سعر الصرف في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، للإيهام بزيادة دخل القناة بعد التفريعة السابعة، حيث أصبح هناك فرق بين دولار كان يساوي ثمانية جنيهات ودولار أصبح يساوي حوالي 18 جنيها وقتها، رغم أن دخل القناة يتم حسابه بوحدات حقوق السحب الخاصة الصادرة عن صندوق النقد الدولي. ومع تحسن إيرادات القناة بعدها بفترة عاد إصدار النشرتين الشهرية والسنوية مع حذف الإيرادات منها، سواء بالجنيه أو بالدولار.

ومع تولي أسامه ربيع رئاسة الهيئة في آب/ أغسطس 2019، فقد ظلت إصدارات الإحصاءات الشهرية مستمرة بعض الوقت ثم توقف صدور النشرة الشهرية منذ شباط/ فبراير 2020 وحتى الآن. كما توقفت النشرة السنوية عند عام 2019، وهي النشرة التي خلت من ذكر إيرادات القناة كما كان موجودا قبل سنوات، كما خلت أيضا من تفاصيل حركة السفن التابعة لدول العالم من حيث عددها وحمولتها كما كان متاحا من قبل.

غياب بيانات الدول المرسلة لتحويلات العمالة

أيضا بيانات تحويلات المصرين العاملين بالخارج قاصرة فقط حاليا على رقم الإيرادات منها بشكل فصلي من قبل المصرف المركزي، بينما كان هذا المصرف نفسه ينشر تفاصيل تلك التحويلات الواردة من نحو 19 دولة حتى أيلول/ سبتمبر 2009 ثم توقف عن ذلك حتى الآن. وبالطبع لا توجد أية بيانات عن قيمة تحويلات العمالة الخارجة من مصر والجهات التي تتجه إليها، كما تفعل الكثير من الدول.

وفي ما يخص بيانات الاستثمار الأجنبي المباشر الوارد من دول العالم لمصر، يقوم المصرف المركزي بنشر قيمة تلك الاستثمارات الواردة من نحو 50 دولة بشكل فصلي، بينما يكتفي مع الاستثمارات الأجنبية المباشرة الخارجة من مصر بنشر رقمها الإجمالي، دون أية تفاصيل عن الدول التي اتجهت إليها.

ولا تقوم هيئة الاستثمار الجهة الرسمية المسؤولة عن الاستثمار الأجنبي بنشر أية تفاصيل عن قيمة الاستثمارات الواردة من الدول المختلقة، وإنما تعلنها بشكل مجمع حسب قطاعات النشاط الاقتصادي كالخدمات والنفط والصناعة بشكل سنوى فقط.

وتغطي البيانات المصرفية الشهرية التي يعلنها المصرف المركزي العديد من الجوانب، لكنها تغفل الإفصاح عن الكثير من البيانات التفصيلية. فمع رقم القروض التي منحتها المصارف يتم إعلان الرقم بشكل إجمالي، دون تناوله بالشكل الجغرافي كما تفعل دول أخرى مثل لبنان، حتى تتم معرفة كم منها ذهب للوجه البحري أو للوجه القبلي الأكثر حرمانا، ونحو ذلك. كما تغيب البيانات الجغرافية عن حركة الودائع الواردة للمصارف.

كما تخلو البيانات المصرفية المعلنة من بعض التفاصيل، فرقم القروض مثلا يتم غعلان رصيده الإجمالي متضمنا داخله قيمة الفوائد للأرصدة القروض القديمة، دون فصل بينهما حتى يمكن تحديد الكم الجديد من القروض، ونفس الشيء مع الودائع التي يتم إعلان رقمها الإجمالي متضمنا فوائد الودائع السابقة دون فصل بينهما لتحديد كم الودائع الجديدة في الفترات المختلفة.

مصارف لا تنشر قوائمها المالية

وإذا كان المصرف المركزي منتظما في إصدار بياناته الشهرية مع تأخرها أحيانا، إلا أنه أفضل حالا من بعض المصارف التي لا تعلن بياناتها المالية، بالمرة مثل البنك العقارى المصري العربي الذي لم يعلن بياناته منذ عام 1999، كذلك لم يعلن المصرف المتحد بياناته المالية منذ تأسيسه عام 2006. ويتأخر البنك الزراعي وبنك الاستثمار العربي في نشر القوائم المالية السنوية.

وبينما تلتزم المصارف الخاصة بنشر قوائمها المالية شكل فصلي، لا تلتزم المصارف التابعة للقطاع العام بذلك، كما تتأخر في نشر قوائمها المالية السنوية، فنتائج العام المالي 2019/2020 المنتهي في حزيران/ يونيو 2020 للبنك الأهلي المصري، أكبر المصارف المصرية من حيث الأصول والودائع والقروض، وكذلك بنك مصر التالي له في المكانة بين البنوك المصرية، تم إعلانها بشهر نيسان/ أبريل 2021.

وتعطل إصدار بيانات الدين العام المحلي التي يعلنها البنك المركزي فصليا مؤخرا لمدة عام، حتى عاد المصرف لإعلانها، لكنها متوقفة حتى الآن عند بيانات حزيزان/ يونيو 2020. ورغم أن وزارة المالية كان يمكنها تعويض ذلك بالإعلان الدوري عن بيانات الدين العام الداخلي، إلا أنها هي الأخرى تلتزم بمسار وتوقيتات إعلان المصرف المركزي لها.

وكان المصرف المركزي قد توقف عن إصدار البيانات الشهرية لإصدارت أذون الخزانة بالجنيه المصري لعدة شهور، لكنه عاد مؤخرا لإصدارها. أما أرصدة إصدارت سندات الخزانة المصرية بالجنيه المصري فقد توقف المصرف المركزي عن إعلانها منذ عدة سنوات.

وبعد التزام مصر في إطار الاتفاق مع صندوق النقد الدولي بخفض عدد العاملين في الحكومة، فقد توقف جهاز الإحصاء عن إصدار النشرة السنوية للعاملين في الحكومة منذ عام 2017 وحتى الآن، وفي نشرته حول العمالة في القطاع العام وقطاع الأعمال العام، لم يعد يفصل عدد العمالة في كلا القطاعين.

كما لم تصدر أية بيانات تفصيلية عن مسح الفقر الذي تم في عام 2020، وذكرت الحكومة أن معدل الفقر قد انخفض خلاله، رغم أنها ذكرت أن المسح قد تم قبل ظهور وباء كورونا، وهو الوباء الذي زاد من نسبة الفقر بحيث لم تعد بيانات المسح السابق لظهوره تعبر عن الواقع، لكن خطاب الحكومة الإعلامي ما زال مصرا على أن معدل الفقر قد انخفض!

كما تتأخر شركات قطاع الأعمال العام في إعلان بياناتها المالية، كذلك حذف الموقع الالكتروني لمركز معلومات قطاع الأعمال العام القوائم المالية للشركات التابعة من الموقع. كما تتأخر الشركات العامة في نشر بياناتها المالية، فنتائج الشركة القابضة للكهرباء للعام المالي 2019/2020 لم تظهر حتى الآن.

وحتى الموازنة العامة للدولة للعام المالي الحالي (2021/2022) لم تظهر حتى كتابة هذه السطور. وإذا المقال قد ركز على غياب بعض البيانات، أو تأخر صدور بيانات أخرى، فإن مسألة جودة تلك البيانات ومدى الثقة فيها تعد قضية أخرى يحتاج تناولها لمقال آخر.

……………………..

نقلا عن "عربي 21"

Facebook Comments