المخاوف التي سيطرت على الكيان الصهيوني في أعقاب نجاح الربيع العربي والتوجه نحو إقامة نظم حكم ديمقراطية يكون للشعب فيها السيادة الحقيقية بدلا من الأجهزة العسكرية والأمنية في مصر وغيرها، أملت على دوائر صنع القرار في تل أبيب الاستنفار لدعم الانقلاب الذي قاده الجنرال عبدالفتاح السيسي؛ إذ لعب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دورا رئيسيا في تأمين شرعية دولية لنظام انقلاب 30 يونيو، من خلال الضغط على إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما لعدم التعاطي معه كانقلاب، وعدم المس بالمساعدات التي تقدمها واشنطن للجيش المصري في أعقاب ذلك. ويمكن الافتراض بأن استعداد نظام السيسي لتطوير الشراكات مع إسرائيل في تل أبيب قد فاجأ قادة حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل وتجاوز أكثر رهاناتهم المسبقة. فقد تعاون نظام السيسي مع إسرائيل في مواجهة المقاومة الفلسطينية، كما عكس ذلك السلوك المصري أثناء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في 2014م وما تلاها حيث دمر كافة الأنفاق على الحدود المصرية مع قطاع غزة المحاصر، وهي الأنفاق التي تمثل الرئة التي يتنفس منها الغزايون ومنها كان يتم تهريب الأسلحة التي تمنح المقاومة القدرة على الصمود أمام الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة. كما هجر  السيسي عشرات الآلاف من السيناوية ودمر قرى ومدن بأكملها من أجل تشديد الحصار على المقاومة.

فرحة صهيونية

وعبرت الأوساط الإسرائيلية عن فرحتها العارمة بنجاح الانقلاب الذي قاده السيسي ضد الرئيس الشهيد محمد مرسي وعدته انقلابا على ثورة يناير والمسار الديمقرطي كله؛ وأبدت حفاوة منقطعة النظير بإجهاض المسار الديمقراطي  وعودة مصر مجددا إلى الحكم العسكري الشمولي. وبات الجنرال عبدالفتاح السيسي ينظر إليه في (إسرائيل) باعتباره بطلا قوميا وعبقريا وزعيما يتمتع برباطة جأش منقطعة النظير؛ بحسب وصف "عمير روبوبورت" المحلل العسكري الإسرائيلي والباحث في معهد "بيجن ــ السادات" للأبحاث الإستراتيجية. والمثير للدهشة في مقال "روبوبورت" في اليوم التالي للانقلاب مباشرة أنه أكد أن ثورة 25يناير مثلت مفاجأة مدوية للأوساط المخابراتية الإسرائيلية على عكس 30 يونيو. في إشارة واضحة إلى أن "تل أبيب" كانت على علم مسبق بكل خطوات الانقلاب قبل تنفيذه. بما يفتح الباب أمام طبيعة هذا الدور ومستواه.

واعتبر معظم قادة الاحتلال أن انقلاب السيسي مثَّل معجزة لإسرائيل وعلى رأسهم عاموس جلعاد الذي ظل على مدى عشر سنوات مسؤولا عن إدارة ملف العلاقات الإسرائيلية مع مصر، وقاد "لواء الأبحاث" في شعبة الاستخبارات العسكرية "أمان" ورأس الدائرة السياسية والأمنية في وزارة الأمن، حيث بالغ بشدة في الإشادة بانقلاب السيسي ووصفه بأكبر معجزة حدثت لإسرائيل في العقود الأخيرة. هذه الإشادة الواسعة من جلعاد انطلقت من تقدير موقف مفاده أن أن ثورة 25 يناير 2011، كانت تحمل في طياتها مصادر تهديد وجودي وإستراتيجي على إسرائيل. فقد أظهرت الأدبيات الإسرائيلية التي تناولت ثورة 25 يناير، والتي صدرت عن مراكز التفكير ودور النشر ووسائل الإعلام، بوضوح أن تل أبيب خشيت خصوصاً أن تفضي ثورة 25 يناير إلى تكريس واقع سياسي واجتماعي في مصر يصبح من المستحيل معه الحفاظ على اتفاقية "كامب ديفيد"، التي تعد أحد ركائز الأمن القومي الإسرائيلي.

وفي 30 يونيو 2019 نشرت صحيفة "معاريف" العبرية، تقريرا  احتفت فيه بذكرى الانقلاب السادسة والتي جاءت بعد أيام قليلة من اغتيال الرئيس محمد مرسي أمام إحدى جلسات المحاكمات الهزلية التي تعرض لها، حيث تعرض لوعكة صحية مفاجئة ولم يتم إسعافه على  الفور ما أدى في النهاية إلى وفاته بالإهمال الطبي، وهناك شكوك أن النظام قد حقنه بإحدى المواد القاتلة وقد أفصح الرئيس  مرسي مرارا  أن حياته في  خطر وأنه يتعرض للقتل البطيء لكن ما تسمى بالمحكمة تجاهلت كل استغاثاته.

أفضل بشرى للصهاينة

وتنقل "معاريف" عن الخبير الإسرائيلي بتاريخ "الإخوان المسلمون" بجامعة تل أبيب "يسرائيل شرنتسل" قوله: "من وجهة نظر إسرائيلية؛ فإن سقوط مرسي كان أفضل بشرى لـ(إسرائيل)، بل إن الأخيرة ووزارة دفاعها نظرت للأمر على أنه معجزة، هذا الأمر يتأكد إذا نظرنا إلى مدى التعاون السري بين (إسرائيل) ومصر منذ ظهور السيسي". وأضاف: "العلاقة المستمرة بين مصر و(إسرائيل) تتناقض مع أيديولوجية حركة الإخوان المسلمين التي رفضت بالكامل معاهدة أنور السادات للسلام مع (إسرائيل) واعتبرتها اتفاقية استسلام، علاوة على ذلك؛ فإن جماعة الإخوان تبنت رسائل تمتلأ بمشاعر واضحة معادية للسامية".

وتابع: "منذ وصول السيسي للحكم، يمارس قمعا شديدا ضد الحركة المحظورة، ويصورها على أنها مصدر وسبب جميع مشاكل الوطن في الماضي والحاضر، لقد أزال الرجل كتبهم وأحرقها واعتقل وسجن العديد من نشطائهم وقادتهم، ورغم ذلك يتجنب السيسي تنفيذ الإعدام فيهم حتى لا يبدون كشهداء". (كان هذا في يونيو 2019 قبل أحكام الإعدام الأخيرة التي طالت عددا من قيادات ورموز الجماعة والعمل الثوري والإسلامي). وختم الخبير الإسرائيلي قائلا: "من الصعب معرفة، ما إذا كانت جماعة الإخوان المسلمين قد نجحت، في ظل ظروف الاضطهاد والقمع الحالية، في الحفاظ على شيء ما من بنيتها التحتية التنظيمية الواسعة، الأمر الذي لو تم يمكنه أن يجعلها تعمل في ظروف أخرى، الإخوان لديهم تجارب من الماضي في هذا الأمر". وأوضح أنه "بعد سنوات حكم عبد الناصر والذي استخدم القبضة الحديدية ضد الجماعة، استغلت الأخيرة فترتي حكم السادات ومبارك التي اعتمدت على المهادنة معهم، ونجحوا في إعادة تأسيس حركتهم  وفي عام 2011، كانوا أكثر الهيئات المنظمة للتنافس على السلطة".

Facebook Comments