بمرور سنوات الانقلاب العسكري على المصريين باتت أنواع من الخضار والفاكهة محرمة على فقرائهم حلال على عصابة 30 يونيو وحاشيتهم، ولم تعد سلع بعينها في متناول حتى الطبقة المتوسطة والأسعار قابلة للزيادة أكثر فأكثر مع زيادة الأعباء على المزارعين وارتفاع تكلفة الإنتاج والملء الثاني لسد النهضة.
وكان السفاح السيسي قد قرر خفض الزيادة السنوية على قيمة المعاشات المدنية إلى 13%، اعتبارا من العام المالي 2021-2022، رغم تصديقه سابقا على القانون رقم 21 لسنة 2020، بتعديل بعض أحكام قانون التقاعد والتأمين والمعاشات للقوات المسلحة رقم 90 لسنة 1975، والقانون رقم 51 لسنة 1984 بتعديل بعض أحكام القانون ذاته، والذي قضى بفرض زيادة سنوية 15% على جميع أنواع المعاشات العسكرية.
علما أن معاشات ورواتب العسكريين شهدت 11 زيادة منذ انقلاب السفاح السيسي على الرئيس الشهيد محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب في البلاد، مقابل 6 زيادات فقط على معاشات المدنيين.
50 كيلو خوخ
ولا تلتزم عصابة الانقلاب بنص المادة 53 من الدستور المصري، والتي تقول إن: "المواطنين لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعي، أو الانتماء السياسي، أو الجغرافي، أو لأى سبب آخر، وتلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على كافة أشكال التمييز".
وانتقد مراقبون وسياسيون ونشطاء قرارات العسكر بغلاء المعيشة على المدنيين، متسائلين عن معاشات العسكريين التي تصل قيمتها أضعاف تلك الخاصة بالمدنيين، وتوقعوا زيادة في الأسعار التي بدأت فعلا، في ظل غياب رقابة الدولة على السوق مع قرب شهر رمضان.
اللافت ربط المراقبون "رفع الرواتب والمعاشات بمعلومات متداولة عن خفض جديد متوقع للجنيه، واستدلوا على صحتها بتشابه قرارات السفاح السيسي مع القرارات التي سبقت تعويمه في المرة الأولى عام 2016".
وعلّق الروائي إبراهيم عبد المجيد، قائلا: "بمناسبة الأيام السوداء اللي جاية، فيه كلام كتير عن تعويم الجنيه تاني علشان يحصل إقبال أجنبي على السندات البنكية، وبالتالي مصر تسد بعض ديونها، والتعويم مقترح يكون 40%، يعني ممكن الدولار يوصل 24 جنيه، ولو حصل تبقى آخر رحلة للمركب".
وردّ عليه الإعلامي المطبل نشأت الديهي، عبر برنامجه "بالورقة والقلم" على فضائية "تن"، واصفا الحديث عن تعويم الجنيه مرة ثانية بـ"الإشاعات المغرضة" "إنت مش فاهم حاجة في الاقتصاد، ولو مش شايف التحسن في الاقتصاد تبقى محتاج نظارة، وبدل ما إنتوا عمالين تتكلموا عن تقرير حقوق الإنسان تكلموا عن التقارير الاقتصادية اللي بتمدح في الاقتصاد المصري".
وانتقدت مي عبد العزيز التغطية الصحفية للقرارات، قائلة: "قمة البجاحة والصفاقة.. يبقى سارق #المعاشات ونزلها من 15% لـ 13% ويكتبوا هدايا السيسي للشعب وزيادة المعاشات… فاكر بيكلم حمير زي اللي شغالين معاه… وطبعا إشادة برلمانية مهو محدش بيجي جنب مرتباتهم".
ويقول الكاتب الصحفي خالد يونس: " هل يجوز أن يكون سعر الخوخ ٢٠ جنيه؟ يعني ١،٣ دولار وسعر كيلو البرقوق ٣٠ جنيه يعني ٢ دولار تقريبا في بلد متوسط المرتبات فيه ٢٠٠٠ جنيه "١٣٠دولار" ومتوسط المعاشات ١٥٠٠ جنيه "١٠٠ دولار" يعني المرتب يساوي 50 كيلو خوخ!".
استسلام المصريين
ويبدوأن السفاح السيسي واثق تماما من استسلام المصريين لقراراته الاقتصادية، خاصة استمرار رفع الأسعار بما يتجاوز قدرات الطبقتين الدنيا والوسطى.
وذهب السفاح السيسي لخطوة أبعد مما استطاعه كل عسكر مصر السابقين، حيث رفع سعر الخبز عبر حيلة إنقاص وزنه، وتبدو هذه المرة الأشق على المصريين، لأن المساس بـ"لقمة العيش" تزامنا مع الإعلان عن رفع أسعار عدد من المستلزمات ووسائل النقل العام، فضلا عن زيادات أخرى تتم دون إعلان.
وبنى السفاح السيسي سياساته منذ انقلابه على معادلة القمع مقابل القمح، إذ مضى في إجراءات غير مسبوقة لقمع حريات التعبير، وقتل السياسة، في مقابل استمرار تدفق السلع الأساسية إلى الأسواق وإتاحة الخدمات للمواطنين، بحسب مراقبين.
لكن هذه المعادلة باتت عُرضة للانهيار مع ارتفاع وتيرة الغضب من زيادة الأسعار، بما يفوق طاقة معظم المصريين، وارتفعت أنّات الشكوى بوضوح بين الجميع -بمن فيهم مؤيدو الانقلاب- الذين ضحوا بالحرية مقابل الخبز، فانتهوا إلى أنه الآن لا خبز ولا حرية.
وأثناء مسرحية ترشحه للرئاسة قبل 7 سنوات وعد السفاح السيسي بزيادة دخل المصريين قبل التفكير في زيادة الأسعار أو تخفيض الدعم الحكومي، وهو ما لم يتحقق حتى اليوم، لكن بالمقابل زادت مرتبات ومعاشات منتسبي الجيش والشرطة والقضاء بشكل متوالٍ منذ الانقلاب.
هذه المفارقة تكشف أن التعامل مع الفئات الحاكمة القادرة على إيذاء السفاح السيسي يختلف تماما عن التعامل مع عموم الشعب المطحون العاجز عن التعبير والفعل.
وتظهر تلك المفارقة أيضا عبر التطور اللافت في خطب السفاح السيسي عقب زيادات الأسعار، حيث توقف نسيبا عن وعود انخفاض الأسعار، وانتقل لتقديم حلول تقليدية، مثل نصائح عدم شراء السلع أو عمل اشتراكات سنوية للمترو بعد زيادة أسعاره، وتعكس هذه الطريقة استخفافا بمعاناة الناس وانعدام وجود حلول لها لديه.
وقبل عام وعلى الهواء مباشرة، انتابت السفاح السيسي نوبة من الضحك الهستيري أثناء مشاهدته تدوينات المصريين بشأن رفع الأسعار، وانهيار الطبقة المتوسطة.
واستفزت هذه الضحكات المصريين، فعبروا على مواقع التواصل عن استيائهم وغضبهم، غير أنها كشفت حينها عن ثقة بالغة لديه في انعدام رد فعل شعبي مقلق تجاه إجراءته، وفق مراقبين وسياسيين.
