تفسير موقف الإدارة الأمريكية الديمقراطية برئاسة باراك أوباما من انقلاب الجيش بقيادة وزير الدفاع عبدالفتاح السيسي في يوليو 2013م يعتمد على أن القاعدة الأساسية التي تحكم سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه مصر، هي العلاقة مع "إسرائيل"؛ فواشنطن تسعى في المقام الأول إلى أن تضمن وضعا مصريا لا يمثل تهديدا لدولة الاحتلال. وبالتالي فإن الاعتبار الإستراتيجي الأهم بالنسبة للإدارة الأمريكية سواء كانت جمهورية أو ديمقراطية، هو علاقة مصر مع إسرائيل، وأن لهذه العلاقة الأولوية إذا تعارضت مع أهداف أخرى معلنة للسياسة الأميركية مثل دعم التحول الديمقراطي.

وعندما تعارض الهدفان (أمن إسرائيل والديمقراطية)، ضحت أمريكا بالديمقراطية من أجل ضمان وجود نظام مصري، حتى لو كان عسكريا قمعيا، ما دام لا يمثل تهديدا لإسرائيل، معنى هذا أن الديمقراطية غير مرحب بها أمريكيا وربما أوروبيا في مصر؛ لأنها في جوهرها تمثل تحريرا للإرادة الشعبية وإعلاء لها في ظل سياق يؤكد أن الوعي الجمعي المصري لا يرحب بإسرائيل ولا بالعلاقات الحميمة التي يتبناها النظام العسكري معها؛ وبالتالي، فإن من أولويات الإدارة الأمريكية ألا تكون هناك ديمقراطية بالمعنى الحقيقي لها في مصر، لأن ذلك من شأنه أن يفضي إلى وجود نظام سياسي لا يلبي المصالح الأمريكية وعلى رأسها حماية أمن "إسرائيل"؛ ولعل هذا يفسر الدعم الأمريكي لانقلاب 3 يوليو؛ لأن مرسي لم يتعاون مع إسرائيل بالشكل الذي كان عليه مبارك، بل إنه لم يذكر اسم "إسرائيل" ولو مرة واحدة خلال عام حكمه. كما أظهر دعما كبيرا مع غزة خلال العدوان الإسرائيلي في نوفمبر 2012م وأرسل رئيس الوزراء هشام قنديل إلى غزة في تأكيد على هذا الدعم الكبير، فيما  أبدى تشددا ضد إسرائيل خلال العدوان، ما أجبرها على وقف الحرب بعد أسبوع واحد فقط. ولذلك عندما برر جون كيري دعمه للانقلاب قال إن شكاوى كثيرة كانت تصلنا من إسرائيل والسعودية والإمارات، من حكم مرسي والإخوان. وهذا معلوم؛ لإن "إسرائيل" ترى في مصر الديمقراطية خطرا وجوديا عليها، أما ممالك وإمارات الخليج فقد رأت في مصر الديمقراطية نموذجا قابلا للنجاح وبالتالي يمكن أن تنتقل عدوى الديمقراطية إلى الشعوب العربية المجاورة فتثور هذه الشعوب على هذه النظام المستبدة التليدة والتي تتشبث بالسلطة كالكلب المسعور المتشبث بفريسته.

هذا القاعدة هي الحاكمة لطبيعة علاقة الولايات المتحدة الأمريكية بالنظام في مصر، وأن الأولوية المطلقة لضمان الالتزام المصري باتفاقية "كامب ديفيد" وحماية أمن الكيان الصهيوني، وقد عبَّرت عنها بوضوح تام السفيرة الأمريكية السابقة في القاهرة آن  باترسون (2011 ــ 2013) في  جلسة نقاشية هادئة نظمها مركز التقدم الأميركي بالعاصمة واشنطن في فبراير 2019م؛ لمناقشة "الانتفاضات العربية بعد مرور ثماني سنوات"؛ ولهذه الأسباب جاءت الرعاية الأميركية لانقلاب 3 يوليو ثم مباركته والترحيب به بعد ذلك والتغاضي عن جرائم النظام ضد الإنسانية حتى يومنا هذا.

خلاصة الأمر، أن الرعاية الأمريكية لانقلاب 3 يوليو جرى التخطيط لها على مدار شهور طويلة قبل الانقلاب وما كان للسيسي أن يجرؤ على تنفيذ انقلابه لولا الضوء الأخضر الأمريكي بهدف حماية المصالح الأمريكية في المنطقة وعلى رأسها ضمان أمن "إسرائيل" وعندما رأت واشنطن في الديمقراطية وحكم الرئيس مرسي تهديدا لإسرائيل سارعت إلى تحريض وزير الدفاع عبدالفتاح السيسي على الانقلاب وإعادة الحكم العسكري بصورة أكثر سفورا، ويمثل الخط الساخن بين السيسي ووزير الدفاع الأمريكي قتها وتشاك هيجل وزير الدفاع الأمريكي محطة بالغة الأهمية في فهم أبعاد الدور الأمريكي في الإشراف ورعاية انقلاب 3 يوليو والذي كان يتواصل مع السيسي بصورة شبه يومية قبل الانقلاب بالتحريض والتشجيع. ورغم ذلك فإن السفيرة الأمريكية "آن باترسون" التي خدمت في القاهرة (2011 ــ2013) تخرج من هذه التجربة بخلاصة بالغة الأهمية إذا ترى أنه "قد يبدو في الوقت الراهن أن الربيع العربي قد أخفق، لكنه غيّر إدراك العرب"، مشيرة إلى عنصرين في مصر قد ينفجران في وقت واحد ليأذنا بمرحلة جديدة: أولهما المشكلة الديمغرافية، إذ ترى السفيرة أن في مصر كتلة شبابية متضخمة لا تجد فرص عمل وقد لا تصبر إلى الأبد، أما العنصر الثاني فهو موقف الجيش "الذي ربما يدعم بقاء السيسي في السلطة، لكن  هذا الدعم لن يبقى للأبد".

Facebook Comments