بسبب إهمال وزارة الصحة بسلطة الانقلاب وتجاهلها الرقابة على المنشآت الصحية ومراكز الأشعة ومعامل التحاليل انتشرت معامل يطلق عليها الأطباء مصلطح معامل «بير السلم». هذه المعامل التي من المفترض أن تكون إحدى الجهات المساعدة للطبيب على تشخيص حالة المريض؛ لتحديد العلاج المناسب له، تحولت إلى مجرد مشروع تجاري تحكمه عوامل الربح والخسارة، وفق منظومة يقودها غير متخصصين، في معامل تفتقر لأدنى معايير الجودة، وتحتوي على أجهزة طبية متهالكة.

وتشير الأرقام إلى أن عدد المعامل غير المرخصة يصل إلى 70 ألف معمل، وهي 5 أضعاف المعامل الطبية الحقيقية والمرخصة البالغ عددها حوالي 12 ألف معمل فقط.

رخص أسعار المعامل غير المرخصة وسرعة استلام النتائج، كانت سببا في أن تنال هذه المعامل شهرة؛ حتى لو ترتب على ذلك استلام نتائج طبية خاطئة أو ليست دقيقة في تشخيص حالة المريض، والتي عادة ما تنتشر بالمناطق والأحياء الشعبية.

الأطباء من جانبهم حذروا من الاعتماد على نتائج تحاليل معامل "بير السلم" كما أطلقوا عليها، والتي هدفها التجارة وليس مساعدة المرضى.

واعتبروا أن "السماح لغير المتخصصين بإجراء التحاليل كارثة وتعد قنبلة موقوتة، وقد يتسبب في أذى لعدد كبير من المرضى، مؤكدين أن معظم نتائج التحاليل الطبية ينتج عنها تشخيص مرضي مغلوط، يتبين للوهلة الأولى عدم تناسبه مع حالة المريض الظاهرية".

 

 قانون المعامل

يشار إلى أن جذور المشكلة تأتي من قانون معامل التحاليل الطبية، الموضوع منذ عام 1954 برقم 367، والذي لم يتم تعديله نهائيا حتى الآن، وبمقتضى هذا القانون يحق لكل من خريجي كليات العلوم والطب والصيدلة والطب البيطري، والزراعة، الحصول على تراخيص مزاولة مهنة التحاليل وفتح معامل، كما يخلط بين معامل التشخيص الطبي ومعامل اللقاح والأمصال ومعامل الأبحاث العلمية.

ويحظر القانون القيام بأي أبحاث أو تحاليل أو اختبارات أو إبداء آراء تتعلق بهذه المهنة وبوجه عام مزاولتها بأي صفة عامة كانت أو خاصة، إلا لمن كان اسمه مقيدا بالسجل الخاص بذلك في وزارة الصحة، كما اشترط القانون فيمن يقيد بهذا السجل عدة شروط منها أن يكون حاصلا على أحد المؤهلات العلمية بكالوريوس الطب أو الجراحة أو الصيدلية أو العلوم، إلى جانب الحصول على درجة أو شهادة تخصص في الكيمياء الحيوية أو كيمياء تحليل الأغذية أو كيمياء تحليل الأدوية، وفي الباثولوجي.

العقوبة في هذا القانون تقتصر على غرامة 200 جنيه فقط، في حال فتح معمل دون ترخيص، وهذه الثغرات أتاحت الفرصة لغير المتخصصين مزاولة المهنة، وسهلت من انتشارها بشكل أدى إلى فوضى عارمة في معامل التحاليل .

 

 روح العلاج

من جانبه أكد الدكتور محمد أحمد أستاذ الباثولوجيا بكلية الطب جامعة الأزهر، أن "معامل التحاليل هي روح العلاج بالنسبة للطبيب وفي حال كانت النتيجة غير دقيقة سينعكس ذلك سلبا على العلاج، مشيرا إلى أنه كثيرا ما يحدث هذا الأمر ونطلب من المريض إعادة التحليل في مكان موثوق فيه للتأكد من النتيجة والتي تكون مغايرة تماما للسابقة، لأنه تم أجراؤها في معمل غير مرخص وغير متخصص وبأجهزة تفتقد الجودة".

وشدد أحمد في تصريحات صحفية على "ضرورة تقنين المعامل والإشراف والرقابة عليها من جانب صحة الانقلاب، لافتا إلى أننا أصبحنا نجد غرفا صغيرة عبارة عن مكتب صغير يأخذ العينات من المرضى ويرسلها للفرع الرئيسي للتحليل، وهذا النقل للعينة قد يتسبب في عملية تبديل للعينات، أو تعرض العينة لظروف بيئية تؤثر على صحة النتائج، بجانب استغلال البعض غياب الرقابة على المعامل فقاموا بفتح معامل للربح المادي، وهي لا تصلح نهائيا أن تكون معامل تحاليل، ولا توجد بها المواصفات القياسية المطلوب توافرها في معامل التحاليل".

 

فوضى التحاليل

 وكشف الدكتور أحمد يمن  أستاذ الكيمياء الحيوية الباثولوجية وأخصائي التحاليل الطبية، أن "مصر من أكبر الدول التي بها فوضى في مجال التحاليل نتيجة لانتشار معامل شركات مجهولة الهوية وسيطرتها على غالبية التحاليل رغم نتائجها المليئة بالأخطاء الناتجة عن غياب الخبرات والكفاءات للعاملين بتلك المعامل، بجانب ضعف القانون المُنظم للمهنة وغياب العقاب الرادع للمخالفين".

وأعرب يمن في تصريحات صحفية عن "أسفه لغياب دور المعامل المركزية التابعة لوزارة صحة الانقلاب في مراقبة تلك المعامل، مُحملا بعض الأطباء مسئولية انتشار تلك الفوضى نتيجة قيامهم بالاتفاق مع معامل بير السلم مقابل نسبة يتم الاتفاق عليها رغم علمهم بعدم دقة النتائج الصادرة عن هذه المعامل علي حساب المريض دون نظر لأي أعراف مهنية أو حتى أخلاقية".

وشدد على "ضرورة التأكد من صلاحية المعمل وقدرته على تقديم نتائج معملية موثوق منها، ناصحا الأطباء قبل إجراء الفحوصات المعملية بالبحث عن شهادات تطبيق الجودة وبرامجها المختلفة والتي يتم تعليقها على جدران المعمل".

وأشار يمن إلى أن "انتشار معامل بير السلم أحد أهم الأسباب التي أدت إلي انتشار فوضى معامل التحاليل في مصر وهو الأمر الذي يتطلب الرقابة الصارمة من صحة الانقلاب للقضاء على تلك النوعية من المعامل التي أفسدت مهنة التحاليل".

وأكد أن "محاربة هذه الفوضى تحتاج إلى قانون قوي وعادل، يشمل كل التفاصيل الخاصة بمزاولة المهنة حتى لا يتم التلاعب ، موضحا أن الإصلاح يأتي بالتخلص من القانون القديم وإعداد قانون أكثر دقة، كما يحتاج إلى تكاتف وتعاون الجميع على إعداده وتطبيقه، خاصة أعضاء نقابة أخصائي التحاليل الطبية".

Facebook Comments