في أحد اللقاءات التلفزيونية تساءل الشيخ محمد الغزالي عليه رحمة الله: ماذا لو أن جنرالا أعلن عن القيام بانقلاب في إنجلتزا أو ألمانيا أو أي دولة أوروبية والإمساك بزمام السلطة؟ ليرد على ذلك بأن القتل مصيره على الفور، أما في بلادنا العربية فباتت منكوبة بالانقلابات العسكرية ولا يوجد وسيلة لتداول السلطة إلا عبر الانقلابات.
تفسير ذلك أن الدول الأوروبية تتمتع بحكم ديمقراطي يقوم على أن السيادة للشعب عبر أدوات الديمقراطية كالانتخابات النزيهة والبرلمان المعبر عن إرادة الشعب الحرة والوزن النسبي للقوى السياسية على الأرض كما هي دون أي تدخل من أجهزة الأمن والسلطة التنفيذية لتستيف الانتخابات وهندسة البرلمانات على النحو الذي تريده السلطة، كما تتمتع أيضا بقضاء مستقل وقادر على لجم السلطة ومنع تغولها، هذه الدول ما توصلت إلى ذلك إلا عبر تجارب أثبتت لها أن هذا النمط من الحكم هو حده الكفيل بتحقيق استقرار حقيقي ممتد ومستمر وضمان أمن المجتمع ومصالحه حاضرا ومستقبلا.
أما في بلادنا العربية والإسلامية فلا يوجد مثال واحد لحكم ديمقراطي إلا في تونس والتي تعاني من عثرات وعقبات كبرى تقف وراءها القوى الظلامية المعادية للحريات والديمقراطية والتي تمثل تحالف الثورات المضادة التي تريد ضمان استمرار النظام العربي الرسمي على النحو الذي عليه الآن.
وفي تركيا والتي مرت بخمسة تجارب انقلابية مريرة، مرت ذكرى المحاولة الانقلابية الفاشلة في 15 يوليو 2016م قبل أيام، الأمر الذي فتح أبواب النقاش حول مدى رسوخ الحكم المدني وتراجع نفوذ المؤسسة العسكرية التي حكمت تركيا بالحديد والنار منذ الانقلاب الأكبر الذي قاده مصطفى كمال أتاتورك على الخليفة عبدالحميد الثاني وتولي الحكم وهو الانقلاب الذي فرض أنماطا من الفكر والاعتقاد والسلوكيات على الناس بالقهر والإرهاب وحاول بشتى الطرق تغيير عقيدة الشعب التركي من الإسلام إلى علمانية منتطرفة بالغة العداء للإسلام على النحو الذي وثقه التاريخ الأسود لأتاتورك. ولا يزال تأثير هذا الانقلاب في تركيا كبيرا حتى يومنا هذا.
ويرى المحلل السياسي المتخصص في الشأن التركي سعيد الحاج، في مقاله "ذكرى 15 تموز: هل ولى عهد الانقلابات في تركيا؟" أن الانقلاب الفاشل في منتصف يوليو 2016م ترك آثارا عميقة في تركيا داخليا وخارجيا، وبات محطة يؤرخ بها لعدد من المتغيرات المهمة التي ساهم بها، مثل الانتقال للنظام الرئاسي، وانتهاج سياسة خارجية أكثر مبادرة، والانخراط في الأزمات الإقليمية، وزيادة الاعتماد على القوة الصلبة في السياسة الخارجية، والتركيز على مفهوم "تطهير" مؤسسات الدولة من "الكيان الموازي" أو القيادة المتنفذة لجماعة غولن.

علمانيون يتشوقون لانقلاب
وخلال سنوات مع بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة ظهرت مؤشرات إلى شوق نفر من العلمانيين الأتراك إلى انقلاب عسكري يطيح بأردوغان ويعيد تركيبة النظام السياسي على النحو الذي كان عليه قبل تجربة حزب العدالة والتنمية الحاكم في سنة 2002م. وتشهد تركيا بين حين وآخر جدلا يحيل إلى فكرة الانقلابات العسكرية مجددا، على سبيل الاحتمال أو حتى التهديد والتلميح.
ففي مايو 2020، قالت رئيس فرع حزب الشعب الجمهوري المعارض في إسطنبول، جانان كافتانجي أوغلو؛ إن "نهاية أردوغان" باتت قريبة إما بانتخابات أو "بطريقة أخرى"، وهو تلميح لم يفهم منه إلا الانقلاب العسكري، على سبيل التهديد أو الرغبة والتمني. وفي أبريل 2021، وقع 104 من ضباط البحرية التركية المتقاعدين بيانا يعقّب على بعض التطورات السياسية الداخلية، وفي مقدمتها مشروع قناة إسطنبول والجدل حول اتفاقية مونترو للمضائق، فُهِمَ على أنه تهديد بانقلاب عسكري لتشابهه مع انقلابات سابقة مهدت لها تصريحات وبيانات بهذا الشكل.
وفي خضم نقاش بيان الضباط المتقاعدين، قال نائب رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الشعب الجمهوري أنجين ألتاي؛ إنه لا يريد أن تكون "نهاية أردوغان مشابهة لنهاية عدنان مندريس"، وهو رئيس الوزراء المنقلب عليه في 1960، الذي أعدم بعد ذلك مع اثنين من وزراء حكومته. هذه الأحداث ومثيلاتها استفزت ردات فعل حادة من الرئاسة والحكومة وحزب العدالة والتنمية الحاكم، وكذلك من شرائح شعبية ومجتمعية عديدة، وعُدَّتْ إشاراتٍ على استمرار عقلية الانقلاب لدى بعض أحزاب المعارضة، وكذلك في أوساط مؤيدي نُظم الوصاية السابقة على حكم العدالة والتنمية.

هل ولى زمانها؟
يرى الحاج أنه يمكن القول إن فشل المحاولة الانقلابية في 15 يوليو 2016 قد صعّب المهمة بشكل كبير أمام من قد يفكر مستقبلا بانقلاب آخر، لأسباب عديدة أهمها:
أولا، الكلفة. فمشاركة الشعب بشكل مباشر في مواجهة الانقلابيين في الشارع، إضافة لمشاركة منتسبي بعض أجهزة الدولة (الشرطة – المخابرات – بعض فرق الجيش)، تعدُّ نقطة فارقة سيكون لها ما بعدها. يعني ذلك أن أي انقلاب عسكري محتمل في المستقبل، سيواجه بالطريقة نفسها وربما أشد، ما يعني أن كلفته البشرية والسياسية ستكون أعلى بكثير، وهو ما سيدفع للتفكير مئة مرة قبل التخطيط لانقلاب جديد، فضلا عن تنفيذه.
ثانيا، غياب المسوغات. كانت الانقلابات العسكرية السابقة تستغل أحداثا داخلية (مفتعلة أحيانا) لتبرير تدخلها في الحياة السياسية، انقلابا صريحا أو غير مباشر بالضغط على الحكومة للاستقالة، مثل الأزمات الاقتصادية أو الاحتراب الداخلي أو الانسداد السياسي. وهي مسوّغات غير موجودة في واقع تركيا اليوم الذي يتميز باستقرار سياسي قلّ نظيره منذ زهاء عقدين، رغم الوضع الاقتصادي المتراجع مؤخرا.
ثالثا، الإصلاحات. حيث عملت تركيا في عهد العدالة والتنمية على عدة إصلاحات تتعلق بالمؤسسة العسكرية، وأهمها ثلاثة؛ أولها تعديل صلاحيات الجيش وحصرها بالدفاع عن البلاد ضد الأخطار الخارجية، وثانيها تعديل بنية مجلس الأمن القومي الذي كان أداة الجيش للضغط على الحكومة ليصبح ذا أغلبية مدنية (حكومية)، وجعل قراراته بمنزلة توصيات غير ملزمة للحكومة، والثالثة إعادة هيكلة مجلس الشورى العسكري الأعلى – المختص بالترقيات والتقاعد وغير ذلك في الجيش – ليصبح هو أيضا ذا أغلبية مدنية. وفي المحصلة، نزعت من المؤسسة العسكرية أي مسوغات "دستورية" للتدخل في السياسة الداخلية للبلاد، وطوِّعت بشكل كبير لقرار القيادة السياسية المنتخبة من الشعب، لا العكس كما ساد لعقود.
ورغم هذه المؤشرات المتفائلة لكن الحاج يرى أنه من الصعب القول إن باب الانقلابات العسكرية قد أوصد بشكل كامل ونهائي في مستقبل تركيا، لثلاثة أسباب رئيسة على أقل تقدير:
الأول، عقيدة الجيش. بنيت المؤسسة العسكرية التركية على أنها مؤسِّسة الجمهورية والمدافع عن أسسها ولا سيما العلمانية، ما أسس لحالة من الوصائية العسكرية على الحياة السياسية في البلاد. وقد قطعت تركيا في السنوات الأخيرة شوطا مهما في تصحيح ذلك، والتأسيس لعملية مصالحة بينها وبين دين الشعب وثقافته. لكن من المفهوم أن هذه الثقافة التي سادت لعشرات السنين وتعمقت لتصبح عقيدة راسخة في الجيش، من الصعب تغييرها بشكل جذري وكامل في 20 سنة أو أقل. ولعل ذلك من أسباب استمرار بعض المؤشرات التي تذكر بـ"تركيا القديمة"، مثل التهديد بالانقلابات أو التخطيط لها أو بيان الضباط المتقاعدين المشار إليه آنفا على سبيل المثال.
الثاني، مكافحة الكيان الموازي. رغم سنوات خمس من هذه العملية، ما زالت التصريحات الرسمية للحكومة تشير إلى أن نسبة النجاح في هذه العملية ليست مرتفعة جدا، فضلا عن أن تكون قد نجحت بالكامل. في المقابل، يمكن القول إن الرهان الخارجي على جماعة غولن ما زال قائما بدرجة أو بأخرى، ولعل أهم قرائن ذلك استمرار مماطلة الولايات المتحدة – التي يقيم غولن نفسه فيها ويدير على أراضيها إمبراطوريته – في التعاون مع أنقرة في مجرد التحقيق معه، فضلا عن تسليمه.
الثالث، عودة الكماليين. فالفراغ الذي تركه ضباط الكيان الموازي في المؤسسة العسكرية ملأه – خلال عملية "التطهير" – ضباط من التيار الكمالي وآخرون من التيار القومي. والأول تحديدا هو من خرجت من تحت عباءته الانقلابات العسكرية الأربعة السابقة، ومن ثم لا يمكن القول إن الحكومة قد أحكمت سيطرتها تماما على المؤسسة العسكرية.

Facebook Comments