يسعى نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي عبر جهاز المخابرات العامة ووزارة الخارجية إلى إفشال حملة كبيرة تقف وراءها أحزاب الوسط واليسار ممثلة في ائتلاف "الخمسة نجوم" بزعامة وزير الخارجية لويجي دي مايو، وهي الحملة التي تستهدف عرقلة التنسيق المتفق عليها سلفا بشأن صفقة التسليح القياسية التي أبرمت مطلع مايو الماضي "2021"م والتي تبلغ قيمتها نحو 11 مليار يورو وتضم الفرقاطتين البحريتين من طراز "فريم"، اللتين كانت تسلّمتهما مصر، المرحلة الأولى من هذه الصفقة، ومازالت هناك مراحل أخرى تتضمن توريد طائرات مروحية وأنظمة دفاع جوي ورادارات وصواريخ وقطع بحرية.

ويستعين نظام السيسي في إفشال هذه الحملة بجهتين تمثلان مراكز قوى لها نفوذ واسع في دوائر صناعة القرار في الحكومة الإيطالية:

الجهة الأولى هي عملاق النفط والمنتجات البترولية الإيطالية شركة "إيني" والتي تحظى باستثمارات هائلة في مصر وتسعى إلى توسيع أعمالها في مصر خلال السنوات المقبلة ، ليس فقط على مستوى الاستكشاف في الحقول الجديدة للغاز، بل أيضاً على مستوى بيع المواد البترولية والغاز بالتجزئة داخل السوق المصرية. حيث تنخرط "إيني"  في وساطة بين روما والقاهرة، للبحث عن حل وسط لتقليل الأضرار الناشئة عن قضية مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، وعدم تفاقمها. وكذلك منع توجيه أصابع الاتهام رسمياً للدولة المصرية أو وزارة الداخلية فيها، بعد البدء في أكتوبرالمقبل، في المحاكمة الغيابية للضباط الأربعة المتهمين بالضلوع في مراقبة ريجيني وخطفه وتعذيبه وقتله مطلع عام 2016.

الوساطة التي تقوم بها "إيني" ــ بحسب صحيفة العربي الجديد ــ تدور محول محورين: الأول هو تقديم رواية مصرية مقبولة وذات مصداقية تحمّل الأجهزة الأمنية مسؤولية الجريمة ولو من دون توجيه الاتهام لأشخاص بعينهم، نظير التعهد بعدم تحريك القضية جنائياً ضد الدولة المصرية. أما المحور الثاني، فيتعلق بإحراز تقدم ملموس في مجال حقوق الإنسان في مصر بما في ذلك الإفراج عن الناشط الحقوقي والطالب باتريك زكي (طالب دراسات عليا بجامعة بولونيا في إيطاليا أوقف في فبراير 2020)، أو تمكينه من الحصول على الجنسية الإيطالية ومغادرة الأراضي المصرية.

في هذه الأثناء لا تزال الدوائر المقربة من السيسي تبحث مدى الاحتياج لإصدار تعديل لقانون المحكمة الدستورية العليا الجديد، يمكن النظام من وقف تنفيذ الأحكام والقرارات الصادرة من محاكم ومنظمات وهيئات دولية ذات طبيعة سياسية أو قضائية في مواجهة الدولة المصرية، أو التي ترى السلطة الحاكمة في مصر أنها تخالف الدستور أو التشريعات المحلية، والتي ترتبط بشكل كبير بتطورات قضية ريجيني.

وثمة خلاف بين وزارتي الخارجية والعدل بحكومة الانقلاب واللتين شكلتا لجنة استشارية من خبراء في القانون لدراسة قضية ريجيني خلال مرحلة المحاكمة، والخلاف يدور حول طبيعة التصرف حيال المحاكمة وهل يتم تجاهل هذه المحاكمة تماما وتجميد التمثيل القانوني للمتهمين من الضباط المصريين، بهدف زعزعة شرعية المحاكمة وضمان عدم نهائية الحكم أياً كانت نتيجته؟ أم تأييد التمثيل القانوني للمتهمين المصريين أمام المحاكم الإيطالية من أجل السيطرة على مجريات المحاكمة ومنع تحولها إلى مساءلة نظام الانقلاب المصري بأي شكل، أو إعادتها للتحقيق، وبالتالي، الاكتفاء بما حدث ومحاولة غلق القضية عند المستوى الفردي. علماً أن الضباط الأربعة المتهمين بقتل ريجيني هم اللواء طارق صابر، والعقيد آسر كمال، والعقيد هشام حلمي، والمقدم مجدي عبدالعال شريف. وبحسب القانون الإيطالي، يمكنهم جميعاً مخاطبة الادعاء العام لنفي الوقائع، كما يمكنهم المطالبة بالمثول أمام الادعاء للإدلاء بأقوالهم.

واللواء طارق صابر، أصبح حالياً مساعد وزير الداخلية للأحوال المدنية، وكان خلال الواقعة يعمل مدير قطاع في جهاز الأمن الوطني، وهو الذي أصدر تعليماته بمتابعة ريجيني بناء على تقرير رفع إليه من أحد مساعديه عن أنشطته البحثية وتواصله مع نقيب الباعة الجائلين، محمد عبد الله، بمناسبة بحثه عن النقابات المستقلة في مصر.

 

الاستعانة باليمين

الجهة الثانية، التي يستعين بها السيسي ونظامه من أجل عرقلة تحركات قوى الوسط واليسار هي اليمين الإيطالي والذي يعد المنافس السياسي  لهذه القوى التي تتبنى التحركات ضد نظام السيسي. وكان سفير السيسي في روما قد كثف خلال يونيو الماضي "2021" مقابلاته واتصالاته مع القيادات السياسية للتيارات اليمينية المؤيدة لاستمرار التعاون مع نظام السيسي، وفي المقابل زار السفير الإيطالي بالقاهرة جيامباولو كانتيني النائب العام المصري حمادة الصاوي، للاطلاع على مستجدات التحقيق المصري، الذي خلص إلى عدم توجيه الاتهام لأي شخص أو طرف بقتل ريجيني. وعقد السفير مباحثات مع زعيم حزب "رابطة الشمال" اليميني المتطرف، وزير الداخلية السابق ماتيو سالفيني وعدد من نواب اليمين ويمين الوسط، في محاولة لإيجاد سبل عملية لتقويض عمل لجنة التحقيق البرلمانية في قضية ريجيني.  والهدف الثاني من لقاءات السفير المصري هو الحيلولة دون إصدار أي قرارات ضد نظام السيسي من البرلمان أو الحكومة الإيطالية، على خلفية تجدد الدعوات النيابية لمنع توجه السياحة الإيطالية إلى القاهرة، فضلاً عن تدشين بعض المجموعات اليسارية حملات دعائية بهذا الغرض. ويهدف السفير ثالثا إلى إفشال مشاريع سبق وتقدم بها نواب يساريون لمنع التعاون العسكري والاقتصادي مع مصر، باعتبارها "دولة لا تحترم حقوق الإنسان".

 

صفقات السلاح

واشترى السيسي من إيطاليا أسلحة بمبلغ مليار و944 مليون يورو منذ مقتل ريجيني مطلع عام 2016، منها 991 مليونا في عام 2020، وهو الرقم الذي يعتبر الأضخم في تاريخ العلاقات العسكرية بين البلدين. وفي عام 2019، أنفقت مصر 870 مليون يورو على شراء الأسلحة الإيطالية. وفي عام 2018، كانت قيمة الصفقات 69 مليون يورو فقط، وكان هذا في وقته رقماً قياسياً يمثل أكثر من ضعف أكبر مبلغ دفعته مصر نظير الأسلحة الإيطالية في عام واحد على الإطلاق، وبرقم يفوق بكثير سعر مشترياتها من الأسلحة والذخيرة في جميع الأعوام من 2013 إلى 2017.

وفي يناير 2021 م، أشعرت السفارة المصرية في روما، القاهرة، بشأن وجوب بدء تحركات سياسية واستخباراتية واقتصادية عالية المستوى وسريعة، بعد رصدها تصاعداً في الخطاب النيابي والسياسي والإعلامي المعارض في إيطاليا، والساعي لإلحاق مصر بكل من السعودية والإمارات، في تطبيق القانون المحلي رقم 185 لسنة 1990 الذي يمنع توريد الأسلحة إيطالية الصنع إلى الدول التي تنتهك حقوق الإنسان.

ويتهم هذا الحراك النيابي مصر بأنها دولة قمعية ترتكب جرائم ضد حقوق الإنسان، وبعضها ضد مواطنين أوروبيين وإيطاليين، وتحديداً ريجيني الذي تخفي مصر حقيقة ما جرى له، وتمتنع عن تقديم المساعدة الكافية للقضاء الإيطالي في قضيته، وصولاً إلى امتناعها عن تسليم المتهمين الأربعة الذين تحوم حولهم الشبهات في جريمة خطفه وتعذيبه حتى الموت. ويتهم نواب إيطاليون معارضون، مصر بأنها متورطة بشكل غير مباشر في حرب اليمن، من خلال تحالفها مع السعودية والإمارات، إذ يطرح هؤلاء فرضيات غير مدعومة بدلائل حتى الآن، عن أنّ مصر تؤجر أو تبيع بعض الأسلحة الأوروبية التي اشترتها في الآونة الأخيرة وجعلت منها المستورد الأول لتلك الأسلحة خارج أوروبا، إلى كل من السعودية والإمارات للالتفاف على قرارات منع أو تقليص توريد الأسلحة للبلدين، الأمر الذي قد يعرض القاهرة حال ثبوته لعقوبات كبيرة من الدول المصدرة.

ويسعى النواب المعارضون إلى منح سلطة تفسير القانون للقضاء، خلافاً لتمسك الحكومة الإيطالية بأنّ القانون يفوض مجلس الوزراء في تحديد مدى التزام الدولة المشترية بحقوق الإنسان، ومدى ارتكابها مخالفات للقانون الإيطالي والقواعد الأوروبية الخاصة، والتي تم تطبيقها على مصر مرة واحدة فقط في أعقاب فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في صيف 2013، حيث استمر تعليق بيع الأسلحة من الدول الأوروبية لعام واحد بدعوى استخدام بعضها في قتل المتظاهرين وتدجيج الآلة القمعية للجيش والشرطة.

Facebook Comments