يقول التاريخ إن "الانقلاب الذي لا يسقط في أيامه الأولى يتحول إلى حرب أهلية أو استبداد دموي لعشرات السنين"، وفي تكرار للمشهد الانقلابي الذي شهدته مصر منتصف عام 2013، وبالتزامن مع تظاهرات طالبت بإسقاط الحكومة والبرلمان تضمنت هجمات عنيفة على مقرات حركة النهضة صاحبة التكتل الأكبر في البرلمان التونسي، خرج الرئيس التونسي قيس سعيد على شاشات التلفاز مُحاطا بمجموعة من القيادات الأمنية والعسكرية في قصر قرطاج، ليعلن انقلابا سبقه إليه السفاح عبد الفتاح السيسي.
خضع قيس بن سعيد للدولة العميقة إذن وتضمن انقلابه تجميد عمل البرلمان ورفع الحصانة عن نوابه، وإقالة رئيس الوزراء هشام المشيشي، على أن يتولى الرئيس نفسه السلطة التنفيذية بالتعاون مع رئيس حكومة يعينه هو وليس البرلمان كما ينص الدستور، فضلا عن إعلان ترؤسه للنيابة العمومية بدعوى متابعة ملفات تمس أمن البلاد.

أطرف الانقلاب
وتتركز ما تسمى بالدولة العميقة وهي شبكة ضخمة من أصحاب النفوذ والسلطة والمصالح والأطراف الدولية في "الجيش" إذا صحت تسميته بالجيش، ثم في الأجهزة الأمنية، ثم في القضاء الفاسد، ثم في الإعلام المطبل، وإذا لم يتم تطهير هذه المؤسسات فالثورة لن تنجح مهما كانت نسبة الوعي في المجتمع.
وفي مشهد يبدو قادما من أزمنة الانقلابات العتيقة، لم يفوّت سعيد الفرصة لتحذير معارضيه أن "من سيُطلِق رصاصة واحدة في سياق الاعتراض على هذه القرارات سيواجه بوابل من الرصاص من القوات المسلحة والأمنية ليس له حصر"، مؤكدا أن تلك القرارات كانت ضرورية في وقت تمر فيه تونس بأخطر مرحلة في تاريخها، وتشهد عبثا بالدولة ومُقدَّراتها وأموالها".
من جهته رفض رئيس البرلمان التونسي "راشد الغنوشي" قرارات سعيد، ووصفها بأنها انقلاب على الثورة والدستور، داعيا الشعب إلى التظاهر لحماية الثورة والمؤسسات المنتخبة، فيما أكد الرئيس التونسي الأسبق منصف المرزوقي أن "الرئيس سعيد خرق الدستور الذي أقسم عليه وأعطى لنفسه كل السلطات واعتبر نفسه رئيس الجهاز التنفيذي والقاضي الأول".
وفيما تتوالى ردود الأفعال حول قرارات قيس سعيد المثيرة للجدل، تواجه بلاد الياسمين أُفقا سياسيا ملبدا بالغيوم، ومخاوف حقيقية من نهاية التجربة الديمقراطية المتعثرة في البلاد، وعودة أول معاقل الربيع العربي رسميا إلى عهود استبداد ما قبل عام 2010.
وانتُخب سعيد في 2019 كمرشح خارج من منظومة الأحزاب السياسية في ثاني انتخابات رئاسية حرة في تاريخ البلد، وعبّر الكثير من التونسيين عن أملهم بتغيير الأمور، ولا يزال يتمتع بسمعة وشعبية بين الكثيرين في البلاد، لكنه رفض بعد تعيين المشيشي في العام الماضي، المصادقة على تعيين 11 وزيرا في الحكومة الجديدة، مما قاد إلى اتهامات بتجاوزه صلاحياته الدستورية.
وحظي المشيشي بدعم من حزب النهضة الذي فاز بغالبية في الانتخابات البرلمانية، لكنه ظل مثار انقسام؛ بسبب أرضيته الإسلامية، وقسم الدستور التونسي لعام 2014 السلطات التنفيذية بين الرئيس والبرلمان ورئيس الوزراء، لكن سعيد استند على المادة 80 من الدستور التي قال إنها تمنحه سلطات استثنائية، وقال إنه "تشاور مع المشيشي والغنوشي وعقد اجتماعات طارئة قبل التحرك".

قيس الكذاب
ونفى الغنوشي استشارته في الانقلاب، وشجب الغنوشي في بيان نشره على صفحته في “فيسبوك” الانقلاب ووصف تجميد البرلمان بغير الدستوري وغير القانوني واللاغي، وقال إن "البرلمان لا يزال منعقدا ويواصل واجباته".
وقالت صحيفة “نيويورك تايمز” في تقرير لمراسلتها فيفيان لي، إن "التحركات التي اتخذها الرئيس التونسي قيس سعيد، بعزل رئيس الوزراء وتجميد عمل البرلمان والسيطرة على البلد، تعتبر تهديدا للديمقراطية التي بدأت بعد تظاهرات الربيع العربي ويصفها معارضوه بالانقلاب".
وقالت الكاتبة إن "الرئيس التونسي اتخذ قراراته بالسيطرة على البلاد نهاية يوم الأحد بعد تظاهرات – ربما تم تدبيرها مثل 30 يونيو في مصر- معارضة للحكومة انتشرت في مدن البلاد التي تعاني من أزمة صحية واقتصادية".
ووصفت التحركات بأنها "تهديد للديمقراطية التونسية الناشئة منذ عقد، ووصفها حزب النهضة بـ”الانقلاب على الديمقراطية التونسية والدستور، وخيانة لكل تونسي وطالب سعيد بالتراجع عن قراراته حالا".
وفي بيان لحركة النهضة جاء فيه “تونس هي قصة النجاح الوحيدة في الربيع العربي، ولا تنتهي القصة عند هذا الحد، ندعو كل داعم دولي للديمقراطية بأن يجتمعوا معا والتحدث بصراحة وحالا ضد الظلم وإعادة البرلمان فورا”.
من جهته، اعتبر رئيس حركة مجتمع السلم في الجزائر عبد الرزاق مقري، أن "ماحدث في تونس هو انقلاب على الدستور وعلى الإرادة الشعبية، وهذا عقب حل الرئيس قيس سعيد للبرلمان وتجميده للحكومة".
وحسب بيان أصدرته الحركة عقب انعقاد مكتبها التنفيذي لدراسة الأوضاع الجارية في تونس فقد تم اعتبار “ما يحدث في تونس انقلابا على الدستور التونسي وعلى الإرادة الشعبية لأشقائنا التونسيين المعبر عنها في الانتخابات التشريعية السابقة، وإفشالا ممنهجا للانتقال الديمقراطي التونسي الذي صنع التميز والأمل لدى التونسيين والشعوب الحرة في العالم”.
وأوضح البيان أن الانقلاب “يمثل صورة من الانقلابات التي وقعت في البلاد العربية والتي ترعاها أنظمة عربية معروفة والتي أوصلت الدول الضحية إلى فوضى ومزيد من التخلف والانهيارات الاقتصادية والتمزقات الاجتماعية”.
ودعا المكتب التنفيذي في بيانه “الشعب التونسي إلى التمسك بمؤسساته الشرعية ورفض الانقلاب وحل مشاكله بالحوار والتوافق الواسع عبر الحلول الدستورية لتجاوز الانسدادات القائمة والمفتعلة”.
كما دعت الحركة المجتمع الدولي والمنظمات الإقليمية والدولية إلى” إدانة الانقلاب باعتباره مناقضا للشرعية ويمثل خطرا على الأمن والاستقرار في كل المنطقة”.
وتابع ”كما تدعو النظام الجزائري إلى دعم المؤسسات الشرعية التونسية وإدانة الانقلاب واعتبار القرارات الأحادية غير الدستورية خطيرة على تونس وعلى جوارها، ومساعدة التونسيين لتجاوز مشاكلهم السياسية والاقتصادية”.

Facebook Comments