نشر المجلس الأطلسي دراسة تضمنت توقعات مجموعة من الخبراء بشأن الأحداث التي وقعت في تونس، وتقييم الأثر على الديمقراطية الوليدة، ورؤيتهم بشأن كيفية استجابة المجتمع الدولي.

وبحسب الدراسة التي ترجمتها "بوابة الحرية والعدالة"، في 25 يوليو، اتخذ الرئيس التونسي قيس سعيد تدابير صارمة لتحقيق "السلام" في تونس و"إنقاذ الدولة" من نظام سياسي يزعم أنه يعاني من الفساد وغير مؤهل للتعامل مع الأزمات الاقتصادية والصحية الحالية التي تواجه البلاد.

واستشهد الرئيس سعيد بالمادة 80 من الدستور التونسي لإقالة رئيس الوزراء هشام المشيشي وتجميد البرلمان، وهي المادة التي تخول للرئيس اتخاذ التدابير اللازمة لوقف أي "خطر وشيك يهدد سلامة البلاد"، تولى سعيد السلطات الكاملة تحت السلطة التنفيذية.

وفي خطاب تم بثه علنا، قال الرئيس سعيد إنه "سيعين رئيسا جديدا للوزراء في غضون الثلاثين يوما المقبلة، وهو الموعد النهائي الذي قال سعيد إنه يمكن تمديده حتى يستقر الوضع.

 

الأزمات الداخلية ذريعة

وقال كريم ميزران، مدير مبادرة شمال إفريقيا وزميل أقدم مقيم، إن "الرئيس التونسي سعيد قرر تجميد البرلمان لمدة شهر على الأقل، وإزالة الحصانة عن البرلمانيين، وإقالة رئيس الوزراء، والسيطرة على قوات الأمن، وإن اعتبار سعيد هذه الإجراءات مشروعة، وفقا لتفسيره للمادة 80 من دستور عام 2014، ليس مفاجئا".

وأضاف أن "الأزمة تطورت منذ صيف عام 2020، عندما أقال الرئيس رئيس الوزراء إلياس فخفاخ وأجبر البرلمان على قبول تعيين مستشاره هشام المشيشي، وقد يجادل الكثيرون بأن سعيد شعر بالتهديد من زعيم حزب النهضة الإسلامي ورئيس البرلمان راشد الغنوشي، وبعد ذلك مباشرة، عندما اختلف المشيشي مع الرئيس على عدة جبهات، بدأ سعيد سلسلة من التدابير السياسية العدوانية لإقالته".

وأوضح أن "أحداث 25 يوليو كانت الملاذ الأخير لسعيد للوصول إلى هدفه المتمثل في السيطرة الكاملة على البلاد، وقد وفر فشل الحكومة في التعامل مع الأزمة الاقتصادية ووباء الفيروس التاجي ذريعة للرئيس سعيد للتحرك، وقد تكون لهذه المناورة المثيرة للانقسام عواقب لا يمكن إصلاحها على الديمقراطية الوليدة، وعلى رأسها المواجهة المكثفة بين مختلف الجهات السياسية الفاعلة، حيث أصبحت المظالم والتوترات داخل تونس الآن مرتفعة بما يكفي للقلق بشأن التصعيد النهائي من المظاهرات المدنية إلى المواجهة المسلحة".

الإطار القانوني لإجراءات سعيد

بدوره قال هيكل بن محفوظ، زميل أقدم غير مقيم في برامج الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي، إن "دستور تونس 2014 يتضمن حكما محددا بشأن حالة الطوارئ، وطبقا للمادة 80 من الدستور، يجوز للرئيس "في حالة الخطر الوشيك الذي يهدد مؤسسات البلاد أو أمن البلاد أو استقلالها، ويعوق سير الدولة بشكل طبيعي، أن يتخذ أي تدابير تقتضيها الظروف الاستثنائية".

وأضاف أنه "بموجب المادة 80، يمكن فرض تدابير استثنائية للحفاظ على سلامة مؤسسات الدولة وخدماتها وضمان استمرارية الحكومة على الرغم من خطورة الأزمة، ومع ذلك، يجب على الرئيس أيضا ضمان عودة هذه الإجراءات إلى العمل الطبيعي لمؤسسات الدولة وخدماتها في أقرب وقت ممكن، كما ينبغي تعليق التدابير المعتمدة بمجرد توقف أسباب تنفيذها".

وأوضح أنه "بالنظر إلى طابعها الاستثنائي، يجب أن تكون هناك شروط معينة، قبل إعلان حالة الطوارئ، يجب على الرئيس التشاور مع رئيس الوزراء ورئيس البرلمان وإبلاغ رئيس المحكمة الدستورية، لكن من المستحيل تحقيق هذه الأخيرة نظرا لأن تونس لم تنشئ بعد محكمة دستورية تشرف على تنفيذ مشروع للدستور، بالإضافة إلى ذلك، من خلال بيان رسمي للشعب، يجب على الرئيس أن يعلن أنه ينوي تنفيذ مثل هذه التدابير".

وأشار إلى أنه "لا يحدد الشرط المعرب عنه في المادة 80 ما إذا كان يجب على الرئيس التشاور مع البرلمان والحكومة حول الوضع الحرج الذي تواجهه البلاد، أو حول التدابير التي سيتم اتخاذها، ويتمتع الرئيس بدرجة معينة من السلطة التقديرية ليقرر ما إذا كان سيؤجل حالة الطوارئ أم لا، ومع ذلك، لا تمنح المادة 80 صلاحيات غير مقيدة للرئيس، وينص بوضوح على أنه خلال حالة الطوارئ، يعتبر البرلمان في حالة انعقاد مستمر طوال هذه الفترة، لذلك، لا يمكن للرئيس حل البرلمان، وعلاوة على ذلك، لا يمكن تقديم اقتراح بتوجيه اللوم ضد الحكومة، وهذا يعني أن حالة الطوارئ لا تسوي ديكتاتورية دستورية، والتي كانت ستقر جميع فروع الحكومة الثلاثة في أيدي الرئيس ولا تسمح بتعليق الفصل بين السلطات".

وأكد أنه "نظرا لطبيعة الإجراءات التي أعلنها الرئيس سعيد، فقد مارس سلطاته خارج نطاق الدستور وشروطه، ومع ذلك، فإن الأزمة في البلد مستمرة منذ أشهر ولا يمكن إنكار أنها ذات طابع استثنائي، مما يسمح بشكل مشروع باللجوء إلى المادة 80، غير أن نطاقها ينبغي أن يكون محدودا ومقيدا، وذلك أساسا في غياب مراجعة قضائية من قبل المحكمة الدستورية".

 

التداعيات الدولية

بدورها قالت علياء الإبراهيمي، زميلة أقدم غير مقيمة في برامج الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي، إن "تونس تقف على خط المواجهة في أزمة عالمية كبرى مرة أخرى، ففي عام 2011، عندما أدى ارتفاع الأسعار العالمية إلى ارتفاع حاد في تكاليف المعيشة، تلاقى اليأس الاجتماعي والاقتصادي في تونس بشكل صاعق مع المعارضة السياسية وانطلق الربيع العربي".

وأضافت أن "هذه المرة، مهد الغضب الواسع النطاق إزاء سوء إدارة "كوفيد-19" وتداعياته المالية المفجعة الطريق أمام نقطة انقلاب سياسية أخرى، مضيفة أن رد الفعل الدولي على خطوة الرئيس سعيد سوف يكون معقدا بسبب حقيقة أنه لم يسع إلى تعليق الدستور ظاهريا، بل إلى العمل داخله، وفي حين حصل سعيد على دعم القوات المسلحة واحتفلت حشود غفيرة في الشوارع بإقالته للحكومة، إلا أنه يفتقر في نهاية المطاف إلى الجهاز الحزبي لتعزيز موقفه رسميا".

وأوضحت أنه "كما أصبحت تونس قبل عشر سنوات قضية محاكمة للديمقراطية في العالم العربي، فإن الأسابيع المقبلة قد تختبر آفاق ومخاطر متمرد سياسي يدعي أنه يأخذ على عاتقه نظاما فاسدا، ويدعو من جانب واحد الوقت إلى نخبة مختلة وظيفيا، ولذلك فإن النتيجة ستترتب عليها آثار تتجاوز منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لا سيما مع اشتداد السخط المرتبط بالوباء على الصعيد العالمي.

 

كيف استجابت الجزائر للأحداث؟

من جانبه قال أندرو فاران، زميل أقدم غير مقيم في برامج الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي، إن "أنباء إقالة الرئيس سعيد للحكومة والبرلمان وصلت إلى الجزائر المجاورة وسط فترة مضطربة بالفعل".

وأضاف أنه "في وقت سابق من هذا الشهر، صعدت فضيحة برامج التجسس في بيغاسوس التوترات مع المغرب، جار الجزائر في الغرب، إلى أسوأ مستوياتها منذ سنوات وأثارت تساؤلات حساسة حول الدفاعات الإلكترونية للبلاد، وقد تضخم وباء الفيروس التاجي بشكل كبير في الأيام الأخيرة، مما يهدد بالتغلب على الخدمات الصحية في البلاد، وإرسال المواطنين يتدافعون للحصول على الأكسجين والإمدادات الأخرى، ودفع إلى تجديد حظر التجول، ومنشغلين بهذه التحديات وغيرها، لا أحد في الجزائر يرحب بإمكانية حدوث أزمة دستورية في تونس".

وأوضح أن "وسائل الإعلام الرسمية الجزائرية ذكرت أن سعيد اتصل بنظيره الجزائري عبد المجيد تيبون، ومن المرجح أن يطمئن أكبر جار لتونس بأن التغيير لن يعرض استقرار البلاد للخطر، بل على العكس من ذلك، سيكون سعيد قد قدم خطوته لتهميش حزب النهضة على أنها الأفضل لازدهار تونس في المستقبل، ومن غير المرجح أن تثير هذه الرسالة اعتراضات من القادة الجزائريين، وهم ليسوا غرباء على خرق القواعد لتقويض التقدم الإسلامي  كما فعلوا بشكل كبير في عام 1992، مما أدى إلى اندلاع عقد من العنف".

 

ماذا تعني الأزمة لمصر؟

بدورها قالت أليسيا ميلكانجي زميلة أقدم غير مقيمة في برامج الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي، إن "الرئيس سعيد حاول بقراره إقالة الحكومة وتجميد نشاط البرلمان، تهميش حزب النهضة، الحزب الإسلامي الرئيسي، الذي يولى زعيمه التاريخي الغنوشي رئاسة البرلمان الحالي".

وأضافت أن "العلاقة الصعبة بين سعيد والغنوشي تعكس علاقة عبد الفتاح السيسي، قائد الانقلاب وجماعة الإخوان المسلمين، في مصر في عام 2013، فبعد عام واحد من انتخابه، انقلب الجيش على الرئيس الإسلامي محمد مرسي بعد احتجاجات ضد حكومة مرسي، واليوم في تونس، نشهد رئيسا يعتمد على غضب العديد من التونسيين الذين يحتجون على ما يعتبرونه برلمانا فاسدا وغير فعال، وهذا الغضب موجه ضد حزب النهضة، الذي يلقى عليه اللوم في التصدي بشكل غير فعال للمشاكل الاقتصادية والسياسية المتصاعدة في البلاد، وعلاوة على ذلك، لا يُخفي الرئيس سعيد الرغبة في تركيز كل السلطة السياسية بيديه، من خلال فرض نظام رئاسي قوي..".

 

ما يحدث في تونس لا يبقى في تونس

ورأى عماد الدين بادي، زميل أقدم غير مقيم في برامج الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي، الأزمة التونسية التي تتكشف فصولها كانت بمثابة اختبار نهائي لمصداقية البلدان التي كثيرا ما تبالغ في تضخيم المثل الليبرالية، والمعايير الديمقراطية، والقيم التقدمية باعتبارها حجر الزاوية للحكم الرشيد".

وأضاف أنه "مع ذلك، فإن غبار الرضا الأوروبي والأمريكي الملاحظ تجاه التحديات الديمقراطية في تونس يكشف عن صورة قاتمة تبرر المسؤولين في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الذين غالبا ما يعتمدون على رضا نظرائهم الغربيين، أما أولئك الذين تألقت عروشهم ذات يوم تحت وطأة حماسة التونسيين الساعين إلى الحرية فيبتهجون الآن بكلامهم".

وأوضح أن "المفارقة هنا ليست في حيرة المراقبين، العقد الذي بدأ مع شباب المنطقة الذين يضغطون على أجندتهم من أجل التغيير من خلال التعبئة الجماعية، ينتهي بتصفيق المتسلط المسن، حيث إن الديمقراطية الوليدة الوحيدة التي أفرزتها حمى العقد الثورية المبكرة قد تعطلت أجنحتها، ففي ليبيا المجاورة، رحب الجنرال خليفة حفتر الذي لم يتوب عن منصبه بهذه الخطوة وهنأ سعيد على العمل ضد الإسلاميين، وبالمثل، تستخدم وسائل الإعلام الممولة من الخليج التطورات التونسية على نحو مضلل..".

وأشار إلى "إن رد الفعل الصامت للدول الغربية على الأزمة الراهنة، في حين أنها كانت تتفرج في الغالب على ضوء تونس الديمقراطي في مرحلة ما بعد الثورة، مكن هذه القوى من تعزيز غرف الصدى لديها، ومثل عام 2011، فإن التطورات التونسية وكيفية التعامل معها سوف تتدفق إلى ما وراء حدودها، وسيكون الليبيون المجاورون، الذين يخيم على بلدهم حاليا الانتقال الهش في مرحلة ما بعد الصراع، أول من يأخذ المعاني المعنوية من قصة تونس لتحديد قواعد اللعبة السياسية الخاصة بهم".          

السيناريوهات السياسية المقبلة

أما أليسا بافيا، المديرة المساعدة لبرنامج شمال إفريقيا، قالت إن "التونسيين نزلوا إلى الشوارع للاحتجاج على تعامل الحكومة مع وباء COVID-19 في الأشهر القليلة الماضية، وقد وصل التونسيون، الذين أغضبهم ارتفاع معدلات الوفيات الناجمة عن الوباء، فضلا عن مأزق الأحزاب السياسية الرئيسية لحل الأزمة، إلى نقطة تحول، وقد أدى الإحباط الناجم عن الزيادة الأخيرة في عدد الحالات إلى تفاقم الحالة الاقتصادية الصعبة الناجمة عن سنوات من الركود الاقتصادي".

وأضافت أنه "من السابق لأوانه معرفة ما إذا كان الرئيس سعيد يحظى بدعم غالبية التونسيين، إلا أن العديد من المتظاهرين الذين خرجوا إلى الشوارع في 25 يوليو بعد تصرفات الرئيس هللوا لقراره بحل البرلمان ، مما يعكس استياءهم العميق من المأزق السياسي الحالي".

وأوضحت أن العديد من الشباب التونسيين يتفاعلون مع عجز الأحزاب الحاكمة في تونس عن حكم البلاد، وقد تسببت البطالة المتصاعدة والفساد وعدد متزايد من حالات COVID-19 في موجة من الاضطرابات التي يستخدمها الرئيس سعيد لتأمين المزيد من السلطة لنفسه من خلال انتخابات جديدة".

وأشارت إلى أنه "لمعرفة ما إذا كانت المؤسسات الديمقراطية في تونس معرضة للخطر، سيكون من الضروري رصد السيناريوهات السياسية التالية".

هل سيذهب سعيد إلى حد اعتقال قادة المعارضة بعد أن ألغى الحصانة التي يتمتع بها أعضاء البرلمان؟

هل ستتحول الاشتباكات بين المتظاهرين والشرطة إلى أعمال عنف وكيف سترد أجهزة الأمن؟

متى سيرشح سعيد رئيسا جديدا للوزراء كما وعد؟

هل ستكون هناك قيود أخرى على الصحافة بعد اقتحام مكتب الجزيرة في تونس في 26 يوليو وطرد صحفييها؟

 

Experts react: What’s next after Tunisian president’s parliamentary freeze?

Facebook Comments