وضع الرئيس التونسي قيس سعيد بلاده في مأزق دستوري وسياسي بعد قراراته التي اعتبرت انقلابا على الدستور من رئيس هو بالأساس أستاذ في القانون الدستوري ويعلم طلابه أهمية الالتزام الحرفي بنصوص الدستور وفصوله ومواده. ويرى خبراء القانون الدستوري عموما أن سعيّد في مأزق دستوري حقيقي بسبب تأرجحه بين خرق الدستور وتجاوز بنوده من جهة، وإعلانه للرأي العام أنه سيتصرف في إطار احترام نفس الدستور وأنه لن يتجاوز فصوله من جهة أخرى، في وقت لا توجد أسس دستورية لما يقوم به.

وكان قيس سعيد قد أعلن في بيانه رقم "صفر" مساء الأحد 25 يوليو 2021م محاطا بقيادات عسكرية وأمنية، عن إقالة الحكومة وتشكيل حكومة جديدة وتجميد عمل البرلمان لمدة شهر وضم النيابة العامة تحت إدارته. وبرر الرئيس هذه القرارات الانقلابية بأنها تمثل إعمالا للفصل 80 من الدستور ، لكن الرئيس الذي يفترض أنه فقيه دستوري تجاهل أن الفصل 80 لا يتضمن تجميد عمل البرلمان بل يؤكد أنه في انعقاد دائم؛ ما يعني أن الرئيس دهس الدستور بكل عنف مع سبق الإصرار والتعمد بما يجب معه محاكمته على هذا الخرق الفاضح.

 

فرضيتان

وتقول أستاذة القانون الدستوري منى كريم، في تصريحات صحفية: "إننا في مأزق دستوري غير مفهوم التوجهات ولا النهايات". وترى أنه في ظل عدم كشف الرئيس عن إجراءات تشكيل الحكومة الجديدة، فإن هناك فرضيتان؛ الأولى في إطار الدستور عبر العودة للبند 89 من الدستور، ويعين بموجبها الرئيس شخصية لتولي رئاسة الحكومة بعد التشاور مع الأحزاب والكتل البرلمانية والائتلافات لتشكيل حكومة في غضون شهر، وتُطرح على البرلمان لنيل الثقة بالأغلبية المطلقة للأعضاء، 109 أصوات، وبالتالي يقتضي هذا السيناريو عودة البرلمان للانعقاد لمنح الثقة للحكومة الجديدة حتى تشرع في العمل، بما يرفع عنه التجميد في الاختصاص الرقابي. لكن سعيد بحسب ــ أستاذة القانون الدستوري ــ ركز في كلمته على تجميد الاختصاص التشريعي، بما يفسح المجال لإمكانية عرض الحكومة على البرلمان.

وأوضحت أستاذة القانون الدستوري أن الفرضية الثانية الخارجة عن الدستور تقوم على سيناريو الإجراءات الاستثنائية، بأن يصدر الرئيس أمراً رئاسياً يعين به رئيس حكومة أو وزيراً أولاً، وعدداً من الوزراء يؤدون اليمين أمامه لتصريف الأعمال، مع شرح مهام الحكومة وصلاحياتها بأمر رئاسي، مشيرة إلى أن هذا المسار "ليس له أرضية دستورية، إذ لم يتطرق دستور 2014 إليه".

 

مأزق سياسي

كما أن قيس سعيد كرس حالة الورطة داخل الدولة والنظام السياسي وهي الحالة التي تعمد الرئيس صناعتها وتضخيمها على مدر الشهور الماضية من خلال انتهاك الدستور وتعطيل مؤسسات الدولة بهدف فرض رؤاه وتصوراته على الحكومة خارج صلاحيات الدستور ونصوصه الممنوحة له.

ويتساءل التونسيون بحيرة عن شكل الحكومة الجديدة، وعن مواصفات رئيسها، وعن إجراءات تشكيلها، وموعد انطلاق عملها وبرنامجها، وسط غموض مطبق على سيناريوهات الخروج من الوضع الحالي.

 

غموض مصير البرلمان

كما يكتنف الغموض مصير البرلمان المنتخب بعد قرار تجميد أعماله شهرا، وعما إذا كان سيستأنف أعماله في 25 أغسطس المقبل بانقضاء المدة، أم أن سعيّد سيذهب نحو تمديد حالة تعليق نشاط المجلس التشريعي رغم تحذيرات الأحزاب والمنظمات والمجتمع الدولي من تواصل الوضع.

ورغم أن راضية الجربي، رئيسة الاتحاد الوطني للمرأة التونسية، تنقل عن قيس سعيد رسائل طمأنة بعدم الانزلاق إلى مربع الديكتاتورية واحترام الحقوق والحريات الفردية والعامة، واحترام آجال تطبيق الإجراءات الاستثنائية، والإعلان عن تركيبة الحكومة الجديدة في غضون أيام"، وذلك في أعقاب لقاء جمع قيس سعيد  بعدد من القيادات النقابية مساء الإثنين 26 يوليو 2021م.  لكن ذلك لم يمنع هذه النقابات والمنظمات التي التقاها سعيد بالإعلان عن تخوفها وضرورة التسريع في إنهاء التدابير الاستثنائية، خصوصاً بعدما بادر رئيس الحكومة المقال هشام المشيشي إلى تأكيد عدم تمسكه بأي منصب أو أية مسؤولية في الدولة وأنه سيتولى تسليم المسؤولية إلى الشخصية التي سيكلفها رئيس الجمهورية لرئاسة الحكومة.

وأكدت هذه المنظمات في بيان مشترك، "تمسكها بكل مكتسبات الثورة التونسية التي عبّرت عنها ثورة الحرية والكرامة"، محذرة "من أي تمديد غير مشروع ومبرر في تعطيل مؤسسات الدولة"، ومشددة على ضرورة الالتزام بمدة الشهر المعلنة والمنصوص عليها في الدستور لإنهاء العمل بالتدابير الاستثنائية وتجميع السلطات بيد رئيس الجمهورية". ودعت سعيّد إلى "ضبط خريطة طريق وفق رزنامة واضحة لا تتجاوز الثلاثين يوماً وبصفة تشاركية مع كل القوى المدنية تتعلق بالقضايا المستعجلة كمحاربة فيروس كورونا والشروع في مراجعة القانون الانتخابي والنظام السياسي ومكافحة الفساد".

وقد وقع على هذا البيان منظمات: الاتحاد العام التونسي للشغل، الهيئة الوطنية للمحامين بتونس، النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين، الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، جمعية القضاة التونسيين، الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وشددت المنظمات على "ضرورة احترام الحريات العامة والفردية والطابع المدني للدولة التونسية واحترام دستور البلاد واستقلال القضاء واحترام حرية التعبير والإعلام والصحافة وعدم الانزلاق نحو التفرد بالسلطة"، داعية إلى احترام السلطة القضائية كسلطة مستقلة تماماً عن السلطتين التنفيذية والتشريعية لتتمكن من استرجاع دورها والعمل بكل استقلالية للتسريع في فتح كل الملفات". وحيّت "تحركات الشعب الاحتجاجية بعد فشل منظومة الحكم في إيجاد حلول للأزمة الصحية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية"، ودعت جميع المواطنين إلى التحلي بـ"الهدوء وضبط النفس وعدم الانجرار إلى العنف".

تحد للأعراف السياسية والدستورية

لكن اللافت في الأمر أن الرئيس التونسي لم يلتق أيا من رؤساء الأحزاب والكتل البرلمانية في تحد صارخ لكل الأعراف السياسية والدستورية التي توجب عليه التواصل والتشاور مع البرلمان ونوابه المنتخبين من الشعب.  لكن القراءة المتأنية لمواقف قيس سعيد منذ انتخابه في 2019م قد تكون صادمة؛ وتبرهن على أن الرجل الغامض جيء به ليقود انقلابا ناعما على الثورة التونسية وتجربتها الديمقراطية، أو على أقل تقدير تجميد المشهد السياسي وتعطيل أي تقدم على المسارين السياسي والاقتصادي،  حتى يكفر الشعب بالثورة والديمقراطية على حد سواء.

ويمكن البرهنة على ذلك بمواقف الرئيس وأبرزها افتعال المعارك السياسية مع البرلمان والحكومة والأحزاب بشكل عام وعلى رأسها الأحزاب الإسلامية التي يبدو أنه جاء خصيصا من أجل التربص بها والعمل على إقصائها. فهو يسعى إلى تهميش دور الأحزاب والتقليل من شأنها، فرغم أن الدستور ينص على أن النظام في تونس برلماني رئاسي، وأن الحكومة تتشكل من حزب الأغلبية أو الأكثرية، فإن قيس سعيد تجاهل كل ذلك في اختياراته؛ كما أنه غمز أكثر من مرة في ضعف شرعية البرلمان، وإلى شكوى من دور الأحزاب وخلافاتها، وهو ما يشير إلى رغبته بتغيير النظام السياسي برمته، الأمر الذي يمهد له بانقلابه مساء  الأحد 25 يوليو 2021م بتجميد  عمل البرلمان ووضع رئيس الحكومة هشام المشيشي رهن الإقامة الجبرية وفق فهمه الشاذ والغريب لتفسير الفصل 80 من الدستور، لدرجة أنه فوض لنفسه صلاحيات النيابة العامة وبذلك يكون قيس سعيد قد هيمن على كل السلطات التنفيذية (الرئاسة والحكومة) والتشريعية (لأنه جمد عمل البرلمان في مخالفة صارخة للدستور وبذلك يفوض نفسه بسن القوانين) والقضائية( لأنه أسند لنفسه عمل النيابة إلى جانب رفضه لتشكيل المحكمة الدستورية حتى يبقى هو صاحب التفسير الوحيد للدستور).

يفهم من ذلك أن الرئيس يعتبر الديمقراطية التمثيلية تزييفا ومنظومة تجاوزتها حركة التاريخ. بناء عليه قرر أن يهمّش الأحزاب، مجهّزاً الأرضية لدفنها تدريجياً، وهو ما شرع فيه بالفعل بانقلابه الناعم على الدستور والديمقراطية في تونس.

Facebook Comments