ربما يكون الفرق الوحيد بين المحتل الأجنبي والحكم العسكري في مصر أن الشعب يستطيع التفاوض مع المحتل الأجنبي على الرحيل، أما الحكم العسكري فهو المؤامرة على الشعب أن يظل محتلا للأبد، وعندما تأتي المؤامرة من الخارج يمكن التصدي لها ومقاومتها وإيقاع الهزيمة بها، أما عندما تكون في الداخل فتنتشركالسرطان.
الحكم العسكري هو احتلال ناعم للدولة بتنفيذ سياسيات خارجية تساعد في بقاءه في الحكم ، أي حكم الصوت الواحد واليد الواحدة، وهنا تختل كل موازين الدولة بنهج الحكم العسكري، وعلي مر التاريخ لم تنجح التجارب العسكرية إطلاقا؛ لأن يكون الولاء للقائد لا الدولة.

الديكتاتور
من الهوس السلطوي يظن العسكريون بأنهم هم الوطنيون لا أحد يحكم أو يدير البلاد ومواردها غيرهم، هذا الانطباع يخلق تصورا خطيرا، ودائما يسعون للسلطة وحينما تبقى السلطة في قبضتهم، لا يسمعـون أي صوت غير الأصوات التي تُدين بالولاء لهم فقط، وهنا تظهر القوة العسكرية هي اليد التي تبطش كل من يعارض النظام العسكري.
والسفاح السيسي كنموذج قمع كل من عارض انقلابه أو سياساته بالاعتقال والإعدام، أي أن الديكتاتور يريد الشيء الذي يود سماعه فقط ولا يريد غير ذلك، ومعظم حاشيته ينقلون له الأخبار التي تجعله غير عصبي، وكانت هذه الصفة هي التي تسببت في هزيمة 1967 النكسة؛ لأن قيادات الجيش لا يعطون تصورا للوضع الحقيقي في جبهات القتال، ونفس الذي حصل لهتلر النازي.
ولا توجد دولة على رأسها انقلاب عسكري تطورت، كل التجارب العسكرية تصاحبها الكوارث، الانهيار والتفكك الاجتماعي وفقد الرؤية وإهدار الموارد واستباحة الدماء وخرق القانون.
يقول حساب "مرار طافح" في تغريدة " الاحتلال الأجنبي بيستغل موارد البلد المحتل ناسها بتلاقي شغل وبتقدر تنافس معاه لأنه برغم أنه محتل بيستحي أما الاحتلال العسكري بيبيع الموارد دي من أساسها ومفيش فرصة لأي حد بجواره".

الأزمة
يقول المناضل والرئيس البوسني الراحل علي عزت بيجوفيتش "لا توجد خسارة تاريخية كبرى لا يكون الشعب الخاسر مسؤولا عنها، ولا يوجد في مزبلة التاريخ أبرياء، لأنك عندما تكون ضعيفا أو مترددا في اللحظات التاريخية الكبرى، فهذه خطيئة من وجهة نظر التاريخ".
ومع كل صدام مع عصابة العسكر بمصر، ينكشف تدريجيا طبيعة ومنظومة الاستبداد والسلطوية ، فثورة 25 يناير التي بدأت كاحتجاج سلمي على ممارسات الأجهزة الشرطية والأمنية في مصر ومنددة بانتهاكاتها لحقوق الإنسان في مصر، مع مطالبات باستقلال السلطة القضائية كمطلب ديمقراطي أساسي، وجدت نفسها بعد كسر هيمنة وسطوة الشرطة المصرية في مواجهة مفتوحة وعنيفة مع جمهورية يوليو العسكرية العميقة.
وقد كان لمرارة هزيمة الثورة في مصر وصعود الثورة المضادة على أجساد عشرات الآلاف من المواطنين القتلى في الشوارع والمسجونين في العنابر أن ولّدت التساؤل عن تاريخ صعود تلك السلطوية العسكرية،
بل وفي السنين الأخيرة زاد الحنين في أوساط العديد من دوائر المهتمين بالشأن العام، لحقبة الملكية شبه الدستورية والليبرالية المدنية التي سبقت قيام دولة يوليو، والتي عرفت مصر خلالها أقصى درجات التعددية السياسية والثقافية، لتبدو الجمهورية السلطوية العسكرية في مصر، وفقا لهذا الحنين السياسي وهذه السردية السياسية، وكأنها انحراف عن مسيرة التحديث والديمقراطية الليبرالية التي عرفتها مصر منذ ثورة 1919، انحراف أتى على شكل انقلاب عسكري قام به مجموعة محدودة من الضباط الذين اخترقهم الأمريكان.
يصف الغالبية من المؤرخين والباحثين النظام الجمهوري الذي تشكل بعد انقلاب 23 يوليو 1952، مؤكدين على أن "الاستبداد والعداء للديمقراطية والتعددية السياسية والثقافية والجنوح الدائم للعسكرة والأمننة وتصفية المجال السياسي هو جزء أصيل وهيكلي من طبيعة الانقلاب العسكري وليس مجرد حدث عارض داخله، وهو ما يؤكده تاريخ جمهورية العسكر الممتد لأكثر من نصف قرن حتى الآن".
والسؤال عن الأسباب التاريخية التي أدت إلى تشكل هذه السلطوية العسكرية وهيمنتها على الدولة والمجتمع في مصر بات سؤالا يتجدد طرحه كلما اشتدت عصابة يوليو في المُضي قُدما في تصفية المجال السياسي والقوى الفاعلة فيه، وهنا يُطرح تساؤل حول ما إذا كانت هذه السلطوية تمثل بالفعل انحرافا عن حقبة سابقة عليها، كانت ديمقراطية وليبرالية فعلا، وإذا صح هذا؛ فمن يتحمل المسؤولية التاريخية عن هذا الانحراف؟.
بعد الثورة الشعبية في 25 يناير 2011، استطاع النظام العسكري من خلال اللعب بطريقته التقليدية ذاتها التي لعب بها طوال السنوات الماضية أن يستوعب الحركات المدنية وتطويعها والتآمر عليها، ثم القضاء عليها.

مستندا في الأساس على عقدة قديمة راسخة في جذور المجتمع والتي تدور حول اليقين بأن القوى الوحيدة القادرة على التغيير والإدارة وتوفير الأمن والأمان هم العسكر حتى لو انتقصوا من مساحة الحرية والعدالة الاجتماعية، حتى إن سيدة اقترحت أن تتولى هيئة عسكرية إدارة اتحاد الكورة بعد هزيمة المنتخب المصري أمام المنتخب السعودي.
إذن الأزمة في مصر ليست أزمة الضعف أو الانهيار أمام الفاشية والطغيان وقوى البطش العسكري، بقدر ما هي أزمة وعي شعبي ومفاهيم فاسدة خاطئة متقيحة ضاربة في جذور المجتمع يجب علاجه منها والقضاء عليها من خلال خطوة أولية وهى مواجهة التابوه الأسطوري للمؤسسة العسكرية، ووضعها في مكانها الطبيعي ضمن مؤسسات الدولة وليس في مقدمتها.

Facebook Comments