يحلو للبعض الغمز في مواقف الإسلاميين والادعاء أن مواقفهم من انقلاب الرئيس التونسي قيس سعيد على الدستور متناقضة ومرتبكة ذلك أنهم عندما كان الرئيس محمد مرسي يحكم (يونيو 2021 ــيونيو 2013م) دافعوا بقوة عن الإعلان الدستوري الذي أصدره مرسي في 22  نوفمبر 2012م، وهو في عرف  هؤلاء كان يمثل انقلابا ومحاولة من الرئيس للانفراد بالسلطة كلها. ويتساءل هؤلاء: لماذا يعارض الإسلاميون قرارات قيس سعيد وهم الذين أيدوا من قبل عندما كانوا في الحكم قرارات مرسي؟

تقويض العملية الديمقراطية

وفات هؤلاء أن فلسفة القرارات بين هذا وذاك مختلفة كليا؛ ذلك أن قيس سعيد يحكم دولة قد استقر دستورها وأنهت مرحلتها الانتقالية وتشكلت مؤسساتها الدستورية الديمقراطية، وتوزعت السلطات على النحو الذي وضحه الدستور الذي جرى التوافق عليه بين جميع القوى السياسية. أما في حالة مرسي فقد كانت مصر لا تزال في مرحلة انتقالية وفي طريقها نحو سن الدستور وتشكيل مؤسساتها الديمقراطية وفق الإرادة الشعبية وسط تربص كبير من قوى الدولة العميقة.

من جهة ثانية، فإن قرارات قيس سعيد التي أصدرها في 25 يوليو 2021م تستهدف تقويض العملية  الديمقراطية ونسف المؤسسات الديمقراطية المنتخبة من الشعب حيث جرى تجميد عمل البرلمان لمدة شهر وقد تمتد الفترة وصولا إلى حل البرلمان نفسه، وسطا على صلاحيات الحكومة ومنح نفسه صلاحيات الادعاء العام والمحكمة الدستورية. بمعنى أن قيس سعيد انفرد فعليا بكل سلطات الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية.

 

حماية الدولة المنتخبة

أما قرارات مرسي فكانت تستهدف حماية مؤسسات الدولة المنتخبة من تربص قوى الدولة العميقة التي تمكنت بالفعل من حل البرلمان المنتخب بنزاهة وإرادة الشعب الحرة والذي لم يستمر سوى 5 شهور فقط من يناير 2012 حتى مايو 2012م. وقد كان مرسي حريصا على اللجنة التأسيسة المنتخبة من الشعب ومجلس الشوري من عبث الدولة العميقة وتربصها في القضاء المصري حيث وصلت إليه معلومات مؤكدة أنه هناك مؤامرة لحل اللجنة التأسيسية التي كانت تحتاج إلى بعض الوقت للانتهاء من الدستور حيث مدها شهرين، وبالتالي تدخل البلاد في مرحلة إرباك وفوضى تمهيدا للانقلاب. وأراد مرسي بقراراته قطع الطريق على هذه المؤامرات وحماية المؤسسات المنتخبة لذلك نص إعلانه الدستوري على تحصين مجلس الشوري واللجنة التأسيسية من الحل.

معنى ذلك أن إعلان مرسي الدستوري الذي نص على جعل القرارات الرئاسية نهائية وغير قابلة للطعن من أي  جهة كان يعني قطع الطريق على الدولة العميقة التي كانت تتربص بالتجربة الديمقراطية والثورية وهو ما تأكد بعد ذلك بالانقلاب. أما قيس سعيد فإنه يتربص بمؤسسات الدولة الديمقراطية والدستورية؛ فكثيرا ما غمز في البرلمان وهو من ورط المؤسسة  العسكرية والأمنية في انقلابه وقد كانت من قبل حريصة على الحياد وعدم التدخل في الشأن السياسي.

من جهة ثالثة، فإن  إعلان مرسي الدستوري كان يستهدف تصحيح مسار الثورة عندما رأى الدولة العميقة تتلاعب بالملفات القضائية والأمنية والسياسية؛ ذلك أطاح بنائب عام مبارك "عبدالمجيد محمود" والذي ثبت تواطؤه في قضايا قتل المتظاهرين ولم يتم العمل بكفاءة لجمع أدلة الإدانة ضد القتلة من الجيش والشرطة.لذلك تضمن إعلانه الدستوري إعادة التحقيقات والمحاكمات للمتهمين في القضايا المتعلقة بقتل وإصابة وإرهاب المتظاهرين أثناء الثورة.

 

بين حماية المسار الديمقراطي والتنكيل بالخصوم

وحتى خلال هذا الإعلان الدستوري ورغم حالة السيولة والفوضى التي كانت تديرها الدولة العميقة التي اتضح أن الجيش والشرطة والقضاء على رأسها فإن مجال الحريات السياسية والحقوقية بقيت في أعلى مستوياتها ومورست في عهد مرسي كافة أشكال الحريات التي ارتفع سقفها إلى مستويات غير مسبوقة. أما قيس سعيد فإنه شرع مباشرة في التنكيل ببعض خصومه وتوقيف بعض نواب البرلمان المعارضين له واقتحام مقر قناة الجزيرة وسط مخاوف من التحول التدريجي نحو دكتاتورية جديدة توظف تفسير الدستور على مزاجها.

الخلاصة هنا أن قرارات مرسى حتى لو كان يراها البعض "خطأ" إلا أنها كانت تستهدف حماية المسار الديمقراطي والثوري وحماية مؤسسات الشعب المنتخبة وحماية المؤسسة الديمقراطية المرتقب تشكليها بإرادة الشعب الحرة كالدستور والبرلمان الجديد. أما قيس سعيد فإنه من  خلال ما جرى حتى اليوم من خطوات وتصريحات فإن مستقبل الديمقراطية في تونس  على المحك وقد أدخلها الرئيس في نفق مظلم لا ندرى متى ينتهي وسط إشارات بأنه يستهدف إقصاء الإسلاميين" حركة النهضة" بدعوى عدم الانتماء الوطني كما صرح هو نفسه قبل أيام، وإقصاء "قلب تونس" باعتبارهم فسدة ولصوص وهما أكبر حزبين في البرلمان. ويتجاهل الرئيس أنه كان السبب الرئيس في إرباك المشهد السياسي وتعطيل عمل الحكومة والمحكمة الدستورية حتى يستطيع أن يدبر انقلابه دون مرجعية قضائية يمكن الاحتكام إليها.

وليس من أراد الحق فأخطأه لخطأ في الحسابات وتقديرات الموقف كمن أراد الباطل فأدركه بالمكر والتدبير والتواطؤ والعمالة لفرنسا والإمارات.

Facebook Comments