مع حلول الذكرى الثامنة لمذبحة رابعة  العدوية التي نفذتها عصابات خاصة داخل الجيش والشرطة يوم 14 أغسطس 2013م والذين جرى اختيارهم لولائهم المطلق للجنرال عبدالفتاح السيسي ، لا يزال من تبقى من ضحايا هذ المحرقة يعانون من الظلم والاضطهاد وهم الذين وعدوا بعدم الملاحقة إذا خرجوا عبر الممرات الآمنة التي كانت فخا  جرى من خلاله اعتقال آلاف المواطنين، وحتى اليوم لايزال القتلة والمجرمون الذين نفذوا هذه المذبحة الكبرى طلقاء يتمتعون بالحماية والحصانة ويتبؤون أعلى المناصب في البلاد داخل المؤسستين العسكرية والأمنية وحتى السياسية. لكن الله توعد من يقتلون المؤمنين عمدا بالخلود في النار إذا لم يتوبوا ويرجعوا عن غيهم وضلالهم ولكن يبدو أن السيسي وعصابته لا يكترثون لوعيد الله ولا يضعون له حسابا والبرهان على ذلك أنهم لا يزال مصرا على القتل بأحكام الإعدام الجائرة.

لم يتم التحقيق في هذه الجريمة الكبرى؛ لأن القائمين على حكم البلاد هم الذين فعلوها فهل يحاكم القاتل نفسه؟! وهل يحاكم القاتل جنوده الذين نفذوا أوامره الإجرامية؟!

أمام هذه الحالة من انعدام العدالة وتكريس الظلم والاضطهاد، قالت منظمة العفو الدولية، عشية الذكرى الثامنة للمذبحة، إنّ السلطات المصرية تقاعست عن محاسبة أي من أفراد قوات الأمن، على قتل ما لا يقل عن 900 شخص خلال فضّهم العنيف لاعتصامي ميداني رابعة العدوية والنهضة. ويواجه 12 رجلاً إعداماً وشيكاً، ويقضي مئات آخرون أحكاماً بالسجن لفترات طويلة بسبب مشاركتهم في الاحتجاجات، ما يدلّ على الأولويات المشوّهة لما يسمى نظام العدالة في مصر.

وقالت لين معلوف، نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية: "على مدى السنوات الثماني الماضية، أصبح جلياً، وبشكل متزايد، أنّ السلطات المصرية عازمة على توفير الحماية لقوات الأمن من أي مساءلة عن دورها في مذبحة رابعة. فاختارت بدلاً من ذلك الانتقام من الناجين وأسر الضحايا، وأي شخص يجرؤ على انتقاد وضع حقوق الإنسان المزري في مصر اليوم".

وحثّت المنظمة، سلطات الانقلاب على إلغاء أحكام الإعدام والإدانة الجائرة هذه، وطالبتها باتخاذ خطوات، طال انتظارها كثيراً، لتقديم مرتكبي مذبحة رابعة إلى العدالة، حيث إذا استمرت ظاهرة الإفلات من العقاب هذه، فإنّ الأحداث المروعة التي وقعت في ذلك اليوم، ستظلّ تلاحق مصر إلى الأبد.  وقالت المنظمة: "ونظراً إلى مناخ الإفلات من العقاب السائد، يجب على المجتمع الدولي أيضاً دعم الجهود الرامية إلى إنشاء آلية رصد لوضع حقوق الإنسان في مصر في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة". واختتمت لين معلوف قائلة: "يجب على السلطات المصرية وضع حد فوراً لاستخدامها عقوبة الإعدام بلا هوادة ضد المعارضين السياسيين كأداة لبثّ الخوف، وإحكام قبضتها الحديدية على السلطة. كما يجب على أعضاء المجتمع الدولي زيادة الضغط العلني لمطالبة السيسي بتخفيف أحكام الإعدام هذه، وإنقاذ حياة هؤلاء الرجال".

 

تحصين القتلة

وفي سبيل تحصين القتلة من كبار الجنرالات واللواءات أصدر السيسي في يوليو عام 2018، قانون معاملة بعض كبار قادة القوات المسلحة، والذي أجاز له إصدار قرار بتحديد بعض الشخصيات العسكرية ممن تولوا مناصب قيادية في فترة تعطيل الدستور، التي وقعت خلالها أحداث رابعة والنهضة، ومنحهم حصانة نهائية من أي إجراءات قضائية بشأن أي جرائم وقعت منهم أو بمناسبة توليهم مناصبهم، وكذلك منحهم حصانة دبلوماسية تقيهم الملاحقة القانونية خارج مصر.  وهو القانون الذي جاء ردا على محاولات نشطاء قانونيين في جماعة الإخوان المسلمين والحقوقيين على حد سواء، على مدار الأعوام الماضية تحريك دعاوى أمام الجهات القضائية الدولية والمحلية في دول أجنبية، لتوقيف السيسي وقيادات أخرى، باعتبارهم مسؤولين عن مذبحة تصنف كجريمة ضد الإنسانية.

ومنذ الانقلاب العسكري يتم توظيف القضاء كأداة سياسية انتقامية ضد الضحايا من جهة وتوفر غطاء لتوجهات النظام نحو تحصين القتلة المتورطين في الجريمة والمذابح الجماعية التي سبقتها أو  تلتها وتوفير الحماية لهم وتجاهل كشف الحقيقة والمحاسبة، بإصدار أحكام تدين المجني عليهم لا الجناة، وتقوم على العبث العمدي بالوقائع التاريخية، وتحمّل مسؤولية الدماء لجماعة الإخوان وتعصم الجيش والشرطة من المحاسبة، وتصور الاعتصام وكأنه مجرد محاولة للخروج على شرعية مزعومة، تصدت لها الدولة لتحقيق الاستقرار.

من جهة ثالثة وبحسب مراقبين فإن طرح حكومة الانقلاب في يونيو 2021م مشروع  قانون لتعديل قانون المحكمة الدستورية العليا، يمكنها من وقف تنفيذ الأحكام والقرارات الصادرة من محاكم ومنظمات وهيئات دولية ذات طبيعة سياسية أو قضائية في مواجهة الدولة المصرية، أو التي ترتئي السلطة الحاكمة في مصر أنها تخالف الدستور أو التشريعات المحلية، يعكس استمرار التخوف من الحراك القضائي الأجنبي أو الدولي بسبب مذبحة رابعة وتوابعها.

ونقلت تقارير صحف عربية أنّ السبب الرئيس لتقديم هذا المشروع، هو تخوّف نظام السيسي من صدور أحكام وقرارات تنفيذية من منظمات دولية ودول أجنبية ضد رموزه في الفترة المقبلة، على خلفية بعض الدعاوى القضائية المرفوعة ضد حكومة السيسي، وبعض قياداتها بصفاتهم وأشخاصهم في الوقت الحالي، بالإضافة إلى ما يمكن صدوره من أحكام وقرارات خاصة بتنفيذ مصر التزاماتها الحقوقية في إطار الحريات الشخصية والعامة بموجب المعاهدات الدولية التي وقعت عليها في فترات سابقة.

ولا يزال السيسي وأركان نظامه يخشون من الدعاوى التي حاول عدد من النشطاء رفعها ضد رموز  الانقلاب والمتورطين في المذابح الجماعية والتعذيب في السجون والمعتقلات بين عامي 2013 و2015؛ سواء في قضية فض اعتصامي رابعة والنهضة أو التعذيب، وذلك أمام محاكم أميركية وبريطانية ودولية. فعلى الرغم من تعثر الإجراءات الخاصة بتلك الدعاوى، إلا أنها تبقى مصدر قلق للنظام الحاكم.

وبحسب صحيفة "العربي الجديد" فإن هذه الدعاوى يمكن تصنيفها ضمن فئتين:

  • الأولى هي التي تحاول المعارضة رفعها على الصعيد الدولي أمام المحكمة الجنائية الدولية، وهذه ليس لها وقت معيّن للرفع، ولكن يجب اتباع طرق معينة بإجراءات صارمة لتحريكها، خصوصا بعد فشل محاولة سابقة في هذا المجال.
  • الفئة الثانية هي الدعاوى التي يمكن رفعها في محاكم محلية ببعض الدول التي تسمح قوانينها بتعقب أشخاص ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية خارج حدودها. وقد بُذلت في هذا المجال جهود أيضا لم تحقق نجاحا كبيرا، ولكنها تسبب قلقا لنظام الانقلاب، لا سيما بعد سابقة ملاحقة الناشط الحقوقي والمعتقل السابق محمد سلطان، لرئيس وزراء الانقلاب الأسبق حازم الببلاوي، في الولايات المتحدة، والتي تطلبت تدخلا وتنسيقا دبلوماسيا رفيع المستوى وقرارا من الخارجية الأمريكية، لتمكينه من التحرك وتفادي التوقيف، على الرغم من منصبه الرسمي كمدير تنفيذي في صندوق النقد الدولي حتى نهاية أكتوبرالماضي 2020م.

وبحسب مراقبين فإن من أسباب مخاوف السيسي وعصابته أنهم يدركون أن  جريمة ّ فضّ اعتصامي رابعة والنهضة من الوقائع التي يمكن للمحكمة الجنائية الدولية التعامل معها بالتحقيق والمحاكمة على الرغم من تراخي حكومات العسكر المتعاقبة في التصديق على معاهدة روما (التي تأسست بموجبها المحكمة الجنائية)، وذلك من دون التقيّد بأي مواعيد أو مرور سنوات على الحدث ذاته، إذ إن الجرائم من هذا النوع لا تسقط بالتقادم، وهو  يصيب الدائرة المقربة من السيسي بقلق دائم.

Facebook Comments