في أوقات المحن والتحديات الكبرى التي تواجه الأمم والدول والشعوب، يبقى الأقوياء من يقاومون بالقوة وبجميع الوسائل وصولا للصراخ والكلام، إلا أن الأمر يبدو على غير عادة الدول القوية، وسط صمت نظام السيسي "الدكر" الذي ظل إعلامه يطنطن بخطوط السيسي الحمراء، إلا أن السيسي قد بلع لسانه تماما في الفترة التالية للملء الثاني لسد النهضة والذي أنجزته إثيوبيا في حدود إمكاناتها المحدودة، دون أن تتقيد بأي التزام لمصر والسودان، ولم تسمع لأي صوت ينادي باتفاق ملزم أو غيره.

وعلى إثر هزيمة المنقلب السفيه السيسي الذي يدفع بمصر نحو الهاوية، غير عابئ إلا باستقراره على كرسي الحكم فقط، عاجزا عن استثمار قوة مصر العسكرية المتنامية، في الحفاظ على حقوقها.

وبات إعلام السيسي ونوافذه وأذرعه الإعلامية تبحث عن كل التوافه لإشغال المصريين عن مستقبلهم التعيس فيما يخص مياه النيل، التي تضيع يوما بعد يوم بسبب إصرار إثيوبيا على المضي قدما في مشروعها، دون  توقف.

 

أزمات أثيوبيا

وعلى الرغم من أزمات إثيوبيا الداخلية، تواصل أديس أبابا جهودها  لبدء توليد الكهرباء من السد، مستغلة أن كمية المياه المخزنة حاليا تسمح بسهولة تامة بتوليد الكهرباء حسب المخطط المحدد سلفا. ويتضمن هذا المخطط توليد نحو 750 ميجاواط من وحدتين مكتملتين الآن لإنتاج الكهرباء، بحيث تُولّد كل وحدة 375 ميجاواط، حيث يبلغ معدل إنجاز المشروع الإجمالي حاليا نحو 80%. ففي الأسبوع الأول من مارس الماضي، تم تركيب أول أنبوبين ضخمين من الأنابيب المخصصة لنقل المياه من بحيرة التخزين الرئيسية إلى المحطة الكهرومائية لإنتاج الطاقة، وذلك بالتعاون مع شركتين إيطالية وفرنسية متخصصتين في هذا النشاط، ومن المقرر تركيب أربعة أنابيب أخرى بعد بدء التشغيل التجريبي لإنتاج الكهرباء.

وأمام المخطط الإثيوبي غير المتعثر، والسائر بقوة نحو غايته للتحكم في مياه النيل، الذي بات بحيرة إثيوبيا تحت كامل سيطرتها، يصمت السيسي ونظامه عن مجرد الكلام أو الشجب لممارسات إثيوبيا، مؤثرا صمتا مستهجنا بمثابة خيانة مؤكدة للمصريين.

ويفسر مراقبون التجاهل المتعمد من السيسي ونظامه لقضية سد النهضة، في ظل عجز جميع الوسطاء الإقليميين والدوليين عن إعادة أطراف القضية الثلاثة، مصر والسودان وإثيوبيا، إلى طاولة المفاوضات. ويأتي ذلك مع بذل أديس أبابا جهودا حثيثة للتهرب من أي التزام تجاه دولتي المصب، ومن الضغوط التي تمارسها عليها الدول الكبرى، سواء الصديقة لها أو تلك التي توترت العلاقة معها في الآونة الأخيرة.

إذ يعتقد السيسي أن أي حديث علني عن السد بعد إتمام الملء الثاني مباشرة، سيؤثر سلبا عليه، ولن يكون له أي مردود إيجابي وسيؤثر سلبا على صورته وشعبيته. ويأتي ذلك خصوصا بعد فشل لجوء مصر الأخير إلى مجلس الأمن الدولي، وبعد حديث السيسي الأخير في حفل تدشين مبادرة "حياة كريمة"، والذي اعتُبر امتناعا عن اتخاذ أي إجراءات عنيفة ضد إثيوبيا، وبعدما كرر بلهجة تخلط الجد بالهزل، مطالبته المواطنين بعدم تصديق وترديد ما وصفه بـ"الهري"،  وكان السيسي يقصد بذلك تجاهل الأطروحات المخالفة لما تعلنه الحكومة، والتي ينصب معظمها على انتقاد النهج الرسمي الذي تسبب في تمكين إثيوبيا من الاقتراب من إنجاز الملء الثاني للسد، بعد إعطاء الشرعية الكاملة للمشروع باتفاق المبادئ المبرم في مارس 2015. ويمتنع السيسي حتى الآن عن اتخاذ خطوة الانسحاب من هذا الاتفاق، على الرغم من دراسة الخطوة مطولا من قبل الاستخبارات العامة والخارجية، ويصر على خوض معارك دبلوماسية لا تحقق لمصر شيئا.

 

السيسي الجبان

أما السبب الثاني لتجاهل التطرق إلى أزمة السد، فهو خوف السيسي من التعرض لإثيوبيا بأي شكل يعطيها فرصة لتوسيع اتهامها له أمام الدول الكبرى، بدعم القوى الانفصالية المعارضة لحكومة أبي أحمد، لا سيما في ظل إجراء إثيوبيا اتصالات واسعة النطاق مع العواصم الأوروبية والصين وروسيا لترويج رواية تتهم مصر والسودان بدعم جيوب التمرد من قوميات تيغراي وبني شنقول وقُمز للإعداد لاحتلال منطقة سد النهضة والسيطرة على السد. وبالتالي صدرت تعليمات لوسائل الإعلام المصرية، بتجاهل أطروحات الحل العسكري للقضية نهائيا، ومنع ظهور أي خبير يتحدث عن احتمالات غير سلمية، مع عدم إعطاء السد أولوية كبيرة في المناقشة والمساحة، واستمرار طمأنة المواطنين بأن الملء الثاني فشل، وأن مصر لن تتأثر، وأن مسار التفاوض لا يزال طويلا. كما تشمل الطمأنة نجاح الاستعدادات المصرية لاستيعاب الأضرار من الملء الثاني، مثل مشروع تبطين الترع وتطوير محطات معالجة المياه وتقليل المساحات المزروعة بالمحاصيل المستهلكة للمياه، ولأسف كلها مسكنات لا تسمن ولا تغني من جوع في القضية التي تخسر مصر فيها كل أوراق الضغط بفعل خيانة السيسي ونظامه وجيشه للمصريين، وتفضيلهم الحفاظ على كرسي السيسي بالداخل، من أية تحرك عسكري يوقف العبث الإثيوبي بحقوق مصر المائية.

أما السبب الثالث للصمت، فهو الرأي المستقر لدى أجهزة الانقلاب بعدم التصعيد، إلا إذا وقع "ضرر غير محتمل" لا يمكن تلافيه، باعتبار أن هذه الحالة هي "الخط الأحمر الجديد لمصر" في القضية. وفي هذا الإطار، تم بالفعل تحديد جدول رقمي بالواردات المائية المتوقعة من النيل لمصر خلال العامين الحالي والمقبل بفتراتهما المختلفة، وحساب حجم الضرر الذي يمكن استيعابه وتعويضه بالأدوات الفنية المتاحة، مثل مشروعات تبطين الترع وتحلية المياه، والسياسات والقرارات القائمة بشأن تقليص مساحات المزروعات الشرهة للمياه.

 

دعم القوى المعارضة لأبي أحمد

وفي هذا السياق، قدمت وزارة الري لقيادات الانقلاب تقريرا يؤكد قدرة مصر على تعويض أي نقص يحدث حتى خمسة مليارات متر مكعب في حصتها الواردة إلى بحيرة ناصر، لكن نقص أي كمية أكبر من ذلك سيؤدي إلى مشاكل لا تحمد عقباها، خصوصا في فترات الجفاف الممتد، مع التأكيد على أنه لم يتم الانتقاص من حصة مصر هذا العام بعدما فشل الملء الثاني في الوصول للمعدل المطلوب.

واستبعدت الوزارة  أن يبلغ النقص حتى 500 مليون متر مكعب خلال العامين 2022 و2023، بسبب التوقعات الممتازة لفيضان النيل والأمطار الغزيرة المتوقع هطولها هذه الفترة على هضبة الحبشة، والتي ستنعكس بزيادة متوقعة كبيرة، وربما أكبر من 2020 و2021، في كمية المياه التي ستخزن في بحيرة ناصر، وكذلك في مفيض توشكى، جنوب غربي مصر.

ويتجاهل السيسي ونظامه أن أية أموال توجه لمشاريع تعويض مياه النيل من خلال تحلية أو تنقية مياه الصرف والبحر، هي أموال تهدر الفرص البديلة، أي أن المواطن المصري كان أولى بها في أن تدخل في مشاريع الصحة والتعليم أو حتى رغيف الخبز الذي يؤيد السيسي رفع سعره على الفقراء من أجل عجز الموازنة.

ولعل الصمت على تجاهل لسيسي من قبل الشعب المصري هو مشاركة في خيانة السيسي لوطنه وتضييعه حقوق مصر التاريخية في مياه النيل، منذ توقيعه اتفاق المبادئ في 2015 أو حتى بالامتناع عن استخدام قوة مصر العسكرية في وقف بناء السدود على النيل من قبل الدول الإفريقية التي منحت قوة دفع ذاتية من قبل سد النهضة الذي شجع جنوب السودان وأوغندا والكونغو على إقامة سدود على النيل، بعدما ضيع السيسي مكانة وهيبة الدولة المصرية.

Facebook Comments