ثمة تطورات في الملف الفلسطيني شرعت فيها الإدارة الأمريكية بهدف دعم وتعزيز مكانة السلطة الفلسطينية من جهة وتمكين الاحتلال الإسرائيلي من تحقيق الأمن والتأمين المنشود لرعاياه والعمل على حصار المقاومة الفلسطينية من جهة ثالثة وذلك بدعم من النظم العربية الحاكمة المعروف عنها التواطؤ والخيانة ضد فلسطين وقضيتها وشعبها.

ومن أبرز هذه التطورات ما أعلن عنه مكتب رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي نفتالي بينت، الأربعاء 18 أغسطس 2021م، بشأن تلقّيه دعوة من رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي لزيارة مصر، خلال الأسابيع المقبلة. ‎جاء ذلك خلال لقاء جمع بينت لأول مرة برئيس المخابرات بحكومة السيسي اللواء عباس كامل في مكتبه بالقدس المحتلة، حيث تحدثا حول القضايا السياسية والأمنية والاقتصادية للعلاقات بين الاحتلال والنظام العسكري في مصر.

لقاء بينت بعباس كامل في القدس له مغزى لا يخفى على أحد؛ فهو يجبر النظام المصري على الاعتراف عمليا بالقدس عاصمة للصهاينة؛ ولو كان لنظام العسكر في مصر شيء من الكرامة والإدراك لرفض عقد مثل هذا اللقاء في القدس باعتباره مدينة عربية محتلة. لكن النظام الذي فرط في  "تيران وصنافير" ولا يزال حتى اليوم يفرط في "أم الرشراش" "إيلات" المحتلة حتى اليوم لا يفهم مثل هذه اللغة التي تنبق عن شعور كامل بالعزة والكرامة والاستقلال.

وذكرت مواقع إسرائيلية مختلفة الأربعاء 18 أغسطس، أن رئيس الحكومة الإسرائيلية نفالي بينت التقى كامل، وبحث، في أول لقاء بينه وبين مسؤول مصري رفيع المستوى، الأبعاد السياسية والأمنية والاقتصادية للعلاقات بين مصر وإسرائيل، كما بحث الاثنان الوساطة المصرية مع حركة حماس وجهود التوصل إلى تهدئة للوضع الأمني. واشارت الإذاعة إلى أن عباس كامل وجه لبينت دعوة رسمية لزيارة مصر ولقاء رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي. وأضافت الإذاعة أن كامل سيلتقي في وقت لاحق بوزير الأمن في حكومة الاحتلال، بني غانتس، فيما توجه وفد أمني إسرائيلي مساء اليوم إلى شرام الشيخ.

وتحدثت مصادر مصرية عن أن الزيارة الطارئة تأتي لبحث ملفات متعلقة بتطورات وتحركات المحور الإيراني في المنطقة بشكل أساسي، وتقاطع تلك التحركات مع الملفات ذات الصلة مثل الوضع في قطاع غزة، وأمن الممرات المائية، والتعاون مع الخليج، في ضوء اتصالات مصرية إيرانية جرت أخيرا، لتطوير العلاقات بين البلدين.

وربطت مصادر دبلوماسية بحكومة الانقلاب بين دعوة الزيارة وبين رغبة السيسي في تطوير العلاقات مع واشنطن سريعا، قبل زيارته المحتملة إلى نيويورك لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة، بالتوازي مع مساعيه لعقد اجتماع مع الرئيس الأميركي جو بايدن، فضلا عن استقباله منذ يومين في القاهرة مدير وكالة الاستخبارات الأميركية وليام بيرنز، وحرصه على البناء على المكاسب التي حققها نظام العسكر في أحداث غزة الأخيرة.

ووصفت المصادر هذه الدعوة بأنها "مفاجئة"، مشيرة إلى أن المفاجئ أكثر هو الإعلان عنها من مكتب بينت، على عكس الاتصالات السابقة بين الجانبين.

وفي الشهور الأخيرة، تعددت لقاءات المسؤولين بحكومة الانقلاب مع نظرائهم من دولة الاحتلال، وبالأخص اللواء عباس كامل، ووزيري الخارجية سامح شكري، والبترول طارق الملا، على خلفية التنسيق بين الجانبين حول العديد من القضايا، والوساطة المصرية الدائمة لتهدئة الأوضاع بين دولة الاحتلال والمقاومة الفلسطينية، التي شغلت حيزا كبيرا من الاتصالات بين الأطراف الثلاثة في الأيام الماضية.

وكان وفد إسرائيلي بقيادة مستشار الأمن القومي الإسرائيلي الجديد إيال حولتا، والمستشار المنتهية ولايته مئير بن شبات، قد زار العاصمة المصرية القاهرة، الأسبوع الماضي، والتقيا رئيس المخابرات المصرية واللواء أحمد عبد الخالق مسؤول ملف فلسطين في الجهاز للتباحث بشأن الوضع في قطاع غزة، ومنع التنسيق بين فصائل القطاع و"حزب الله"، خشية تفجير مواجهة على جبهتي الشمال والجنوب، وهو ما استتبع معه الحديث بشأن الهدنة طويلة الأمد التي ترعى القاهرة مباحثاتها، وكذلك تخفيف الأوضاع الإنسانية والمعيشية في قطاع غزة.

وفي نهاية مايو2021م، قام وزير خارجية الاحتلال، غابي أشكنازي، بزيارة كانت الأولى من نوعها للقاهرة منذ 13 عاما، حيث كانت تسيبي ليفني هي آخر وزيرة خارجية إسرائيلية تزور مصر في عام 2008. وعقد اللقاء المعلن الوحيد بين السيسي ورئيس وزراء دولة الاحتلال السابق بنيامين نتنياهو في نيويورك عام 2017، خلال مشاركتهما في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث زار نتنياهو السيسي في مقر إقامته، وكان علم مصر فقط وراءهما.

وفي أغسطس 2018، نشرت الصحف العبرية أن نتنياهو سافر سراً إلى مصر في مايومن العام ذاته، والتقى السيسي وتشاركا في مأدبة إفطار رمضانية، بحضور مستشارين من الجانبين.

وفي يوليو 2019، تعمد نتنياهو أن يعلن عن سابقة عقد "لقاءات" مع السيسي خلال حفل السفارة المصرية في تل أبيب بثورة 23 يوليو 1952، حيث وصفه بـ"الصديق العزيز"، وقال: "في لقاءاتي معه فوجئت بحكمته وذكائه وشجاعته (..) السلام بين إسرائيل ومصر بمثابة حجر الزاوية للاستقرار".

وقبل ذلك في يوليو 2016 أوفد السيسي وزير خارجيته سامح شكري إلى القدس للقاء نتنياهو، حيث اجتمع الطرفان مدة طويلة وشاهدا سويا نهائي كأس الأمم الأوروبية.

وفي الفترة بين توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية في إبريل 2016 بما تضمنه من التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، وحتى إقرار الاتفاق بقرار جمهوري ونشره رسميا في أغسطس 2017، جرت اتصالات ومكاتبات عديدة بين السيسي ونتنياهو للحصول على مباركة إسرائيلية للاتفاق، فيما وثقت بعض هذه المكاتبات في الجريدة الرسمية للحكومة المصرية وقت نشر القرار الجمهوري.

Facebook Comments