منذ  اتفاقية كامب ديفيد في مارس 1979م في عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات والتي اعترفت فيها مصر بشرعية الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وأقامت معها علاقات دبلوماسية تحت لافتة "السلام"، دأب النظام في مصر طوال عهد محمد حسني مبارك على عدم دعوة رئيس حكومة الاحتلال بشكل رسمي للقاهرة، ورهنت ذلك بمدى النجاح والتطور في الملف الفلسطيني رغم العلاقات الوثيقة التي كانت تربط القاهرة وتل أبيب على مدار العقود الماضية.

اليوم يتقدم رئيس الانقلاب العسكري في مصر بدعوة رسمية لرئيس حكومة الاحتلال نفتالي بينت لزيارة القاهرة رعم الفشل المتواصل في الملف الفلسطيني الذي لم يشهد إلا تكريسا للاحتلال ومستوطنيه على حساب الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة والمشروعة.

فلماذا أقدم السيسي على مثل هذه الخطوة في هذا  التوقيت؟ وما الهدف من ورائها؟

يجيب على ذلك المستشرق الإسرائيلي جاكي خوجي، محرر الشؤون العربية في إذاعة الجيش الإسرائيلي، في مقاله له بصحيفة "معاريف"، مؤكدا أن الدعوة الرسمية التي وجهها السيسي إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت لزيارة القاهرة، تحمل خلفها العديد من الأسباب والدوافع، لأنه منذ سنوات طويلة، دأب المصريون على دعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي لزيارة دبلوماسية رسمية لعاصمتهم فقط في حال تسجيل تطور في المسار السياسي الفلسطيني، وطالما أن السيسي دعا بينيت لزيارة القاهرة، فما الذي تغير إذن"؟

ويرى أنه في حال تحققت زيارة بينيت إلى القاهرة، فسيكون أول رئيس وزراء إسرائيلي يزورها بشكل علني منذ استيلاء السيسي على السلطة في 2013، رغم أن سلفه بنيامين نتنياهو زارها سابقا، ولكن بصورة سرية".

ويضف خوجي أن "النظام المصري بدا سابقاً حريصًا على القول إن رئيس الوزراء الإسرائيلي، مهما كان، لن تتم دعوته إلى القاهرة، إلا إذا شهدت المفاوضات مع الفلسطينيين تطورا مهما، لكن هذا الشرط المصري لم يتم الوفاء به من قبل إسرائيل، ويبدو اليوم بعيدا جدا، ومع ذلك فقد قرر السيسي دعوة بينيت لزيارة مصر، مع الإشارة إلى أنها ستكون في القاهرة، وليس شرم الشيخ".

ويبدي اندهاشه من هذه الدعوة الرسمية ذلك أن السيسي لا يجهل حقيقة أن بينيت ليس فقط رئيس الحكومة الإسرائيلية، لكن حزبه هو الذي يحدد ويمثل ويدافع عن المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية، ما يطرح تساؤلات مهمة حول دوافع هذه "الهدية" المصرية لإسرائيل، وهل تكون مقابل لا شيء؟".

ويربط المستشرق الإسرئيلي دعوة السيسي لبينت لزيارة القاهرة بشكل رسمي بعلاقة القاهرة بالولايات المتحدة الأميركية؛ ذلك أن هذه الدعوة الرسمية لبينت لزيارة القاهرة تتزامن مع استعداد الأخير لحضور أول لقاء له في البيت الأبيض قريباً، استجابة لدعوة مماثلة من جو بايدن رئيس الولايات المتحدة.

ويخرج من ذلك بأن السيسي يريد الحفاظ على ورقة علاقته بتل أبيب كورقة رابحة لتوظيفها في علاقة القاهرة بواشنطن، مؤكدا أن المصريين لم يقولوا ذلك صراحة لكن تغيير الإدارة في واشنطن وتل أبيب شكل مصدر قلق لنظام السيسي في القاهرة.

ويشرح ذلك متابعا أن السيسي اعتبر صديقا لنتنياهو، وفي البيت الأبيض وجد الدعم من دونالد ترامب، لكنهما اليوم عادا إلى منازلهما، الواحد تلو الآخر، وفي العهد الأمريكي الجديد ظهرت أمام السيسي ضغوط جديدة تتعلق بحقوق الإنسان وقمع معارضي النظام، ما قد يعيق استمرار المساعدات المالية الأمريكية المقدمة لمصر، وفي هذه الحالة قد يعتبر السيسي استضافته لبينيت رسوما رمزية أمام الأثمان الباهظة التي قد يدفعها أمام واشنطن".

ويضيف أن السيسي يخشى أن يكون عهد بايدن، وبتشجيع من داخل حزبه، بصدد العودة لسياسات باراك أوباما، ويتخذ إجراءات ضد القاهرة مثل فرض عقوبات عليها، أو تجميد مساعداتها، بسبب يد النظام المصري الثقيلة جدا على المعارضين.

وبحسب الكاتب فإن العالم بأسرة يعرف مدى انتهاك نظام السيسي لحقوق الإنسان على نحو صحيح لكن هناك فرقا واحد بين معرفة كل العالم بذلك، وما إذا كان البيت الأبيض قد يتحرك ضد نظام السيسي، وهنا يمكن فهم دوافع دعوة السيسي لبينيت" بحسب الكاتب.

Facebook Comments