كشف الرئيس التونسي قيس سعيد عن نزعة جامحة نحو التسلط والديكتاتورية وذلك عندما أشاد بجندي منع راشد الغنوشي من دخول البرلمان بناء على أوامر قيس سعيد،  بعدما قرر تجميد عمل البرلمان في مخالفة صارخة لنصوص الدستور. واعتبر الرئيس التونسي أن ما فعله الجندي سيخلده التاريخ! واستدل على ذلك بأن الجندي قال كلمته الشهيرة لمن قالوا إنهم يحمون الدستور، بأنه "يحمي الوطن".

معنى هذا الكلام أن الرئيس التونسي يرى أن مخالفة الدستور هي حماية للوطن! هذا الكلام لو صدر من مواطن عادي لاعتقلوه بتهمة مخالفة  الدستور والقانون؛ لكن قيس سعيد يبرر تمرده وانقلابه على الدستور والقانون ويرى أن ذلك عملا بطوليا يستحق الإشادة والتكريم!

لو صدر هذا الكلام المعتوه من رئيس في أوروبا لرجمه الشعب على الفور؛ ذلك أن الدستور  هو العقد الاجتماعي بين الحاكم والشعب، وعندما يدوس الحاكم على هذا العقد الاجتماعي فإنه يقود البلاد نحو المجهول ويدفع بها إلى السقوط مهما كانت عباراته براقة وشعاراته تدغدع عواطف بعض السذج والدهماء والمتآمرين.

 

مدير مخابرات مجرم

في السياق ذاته، استنكر قاض تونسي، اختيار الرئيس أحد من وصفهم بـ"جلادي انتفاضة المناجم" في منصب مدير المخابرات بوزارة الداخلية، أو ما يعرف بـ"الإدارة العامة للمصالح المختصة" بسبب سجله في الانتهاكات الحقوقية. وكان الرئيس قد أعفى الشهر الماضي، مدير المخابرات بوزارة الداخلية، الأزهر لونقو، وكلف محمد الشريف مؤقتا بدلا منه، قبل أن يقرر تعيين سامي اليحياوي في هذا المنصب.

وقال القاضي أحمد الرحموني، رئيس دائرة بمحكمة التعقيب، ورئيس المرصد التونسي لاستقلال القضاء في مقال، نشره عبر حسابه بتويتر: "هل يمكن أن يغيب تاريخ الرجل (اليحياوي) عن ملفات وزارة الداخلية، وأن يحتاج السيد رضا غرسلاوي المكلف بتسيير وزارة الداخلية حتى لا يضلل الرئيس إلى من يكشف له عن مآثر منظوريه".

وأضاف الرحموني أن اليحياوي "تدرج في مختلف المسؤوليات، ليجد نفسه متقلدا سنة 2006 إدارة إقليم الشرطة بقفصة، واستمر بها إلى غاية 2008 بعد مشاركته الفاعلة في قمع انتفاضة الحوض المنجمي، وبنهايتها تمت تسميته للاستراحة كملحق أمني بسفارة تونس بمصر".

ولفت إلى أن المتتبعين لمسيرته، أوردوا أنه "من أكثر الوجوه التي لعبت دورا في قمع الحركات الاحتجاجية بالجهة خصوصا ضد أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل".وذكر القاضي أن اليحياوي أشرف بنفسه على قمع تحرك للجنة المعطلين عن العمل، عام 2007، واعتدى بنفسه على ناشطات منهن "عفاف بالناصر وزكية عمروسية وغيرهما". ولفت الرحموني إلى أن اليحياوي، رغم كل الشهادات بممارسته القمع، إلا أنه، "لم يثبت أنه خضع لقاء  تلك الممارسات الممتدة من 2006 إلى 2008 لأية محاسبة جزائية أو تأديبية، بل يتضح أن تلك الأفعال المنسوبة له لم يكن لها أي تأثير سلبي على مسيرته المهنية".

 

نحو الاستبداد

نشرت صحيفة "التايمز" تقريرا عن الوضع في تونس، وقالت إن الديمقراطية الوحيدة في العالم العربي تنزلق نحو الديكتاتورية. وقالت إن الرئيس التونسي قيس سعيّد رفض التخلي عن السلطات الطارئة التي منحها لنفسه بموجب المادة 80 في الدستور التونسي الشهر الماضي، وقرر تعليق البرلمان لأجل غير مسمى، ما أثار اتهامات بأنه يقود الدولة الوحيدة من دول الربيع العربي التي خطت مسارا ديمقراطيا والعودة بها من جديد نحو الاستبداد.

وبدعم من الجيش قام سعيّد بعزل رئيس الوزراء وتعطيل البرلمان في 25 يوليو، ومنح نفسه سلطات تنفيذية طارئة لمدة 30 يوما. لكن الرئيس وقبل دقيقة من انتهاء المدة أصدر مرسوما رئاسيا جاء فيه إن "الإجراءات الاستثنائية" ستبقى لأجل غير معلوم. ولم يقدم تفسيرا لقراره، ولكنه قال إنه سيلقي خطابا للأمة.

وشجب مايكل غاهلر، المقرر الدائم في البرلمان الأوروبي التحرك، واعتبره "هجوما على قلب الديمقراطية التونسية". واتهمت حركة النهضة كبرى الأحزاب في البرلمان سعيّد بأنه "يجر البلد بعيدا عن حكم القانون".

وحثته الولايات المتحدة والدول الغربية على العودة إلى المسار الديمقراطي وضمان الحريات والحقوق التي حققها البلد خلال العقد الماضي.

 وقالت سناء بن عاشور، المحاضرة في القانون الدستوري بجامعة قرطاج، إن قرار تمديد الفترة الطارئة لأجل غير مسمى غير قانونية، رغم مزاعم سعيد، وأضافت: "نحن في الطريق لدفن الدستور".

وفي 25 يوليو الماضي، قرّر سعيد في انقلاب على الدستور، تجميد البرلمان، ورفع الحصانة عن النواب، وإقالة رئيس الحكومة هشام المشيشي، على أن يتولى هو بنفسه السلطة التنفيذية، بمعاونة حكومة يعين رئيسها، ثم أصدر أوامر بإقالة مسؤولين وتعيين آخرين. وفي 23 أغسطس، أعلن الرئيس تمديد تجميد عمل البرلمان ورفع الحصانة عن أعضائه "حتى إشعار آخر".

Facebook Comments