انتهى تقدير موقف أمريكي إلى أن تمديد الرئيس قيس سعيّد قراراته المثيرة للجدل وتجميد عمل البرلمان دون تعيين رئيس حكومة جديد أو الإعلان عن رؤية محددة  يمثل تهديدا لمستقبل تونس، في ظل تحالفات إقليمية محفوفة بالمخاطر.

وفي 25 يوليو 2021م أطاح قيس سعيد بالدستور والنظام الديمقراطي حيث جمع جميع السلطات في يده فقد أطاح بحكومة هشام المشيشي وجمّد عمل البرلمان لمدة 30 يوماً وانفرد برئاسة النيابة العمومية، مستندا على  الفصل الـ80 من الدستور، وهي الخطوة التي رفضتها الأحزاب الأربعة الكبار في البرلمان. ومع انتهاء مهلة الثلاثين يوما دون أن يعين سعيّد رئيسا جديدا للحكومة كما وعد، أصدر بيانا مقتضبا أعلن فيه تمديد تجميد أنشطة البرلمان "لأجل غير مسمى"، وهو ما عمق المخاوف من أن تونس، التي أصبحت أول دولة عربية تتذوق الديمقراطية قبل عشر سنوات، ربما تكون في طريقها إلى مستقبل مجهول.

 

لا يملك رؤية واضحة

وبحسب تقدير موقف أعده موقع Responsible Statecraft الأمريكي بعنوان "قيس سعيّد يدخل في تحالفات إقليمية محفوفة بالمخاطر"، فإن الرئيس التونسي لا يمتلك رؤية واضحة لمستقبل البلاد. وبعد أكثر من شهر من استخدام الرئيس التونسي الفصل 80 من الدستور لفرض ما يُمكن تسميته بـ"حالة استثنائية"، ما زال التونسيون ينتظرون خريطة ترسم ممراً للخروج من طريق محفوف بالأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والصحية.

وعلى مدى الفترة الماضية، برهنت حالة الغموض المليئة بالتوتر التي تسود المشهد على احتلال سعيّد دورَ الصانع المطلق للقرارات، وذلك على خلاف خطابه المتكرر بأنه لا يأتي إلا بما يعكس رغبات الشعب التونسي. لكن عاجلا وليس آجلا، سيتعيَّن على الرئيس مواجهة مهمة أساسية لا مفر لجميع "الزعماء الشعبويين" من مواجهتها: وهي كيفية الانتقال من مرحلة الترفُّع عما يعتبره صغائر سياسية حزبية إلى تبني سياسة ما ومواجهة الواقع.

إذ يتعين عليه أيضا انتهاج الدبلوماسية الإقليمية التي من شأنها تعزيز سلطته على الجبهة الداخلية. ولمَّا كانت السياسة الداخلية لتونس أصبحت متشابكة مع علاقاتها الإقليمية (وتفاعلاتها مع الدول العربية خصوصا)، فإن الاحتمال الأقرب أن يتطلع الرئيس التونسي إلى الإمارات والسعودية للحصول على الدعم، ودول عربية أخرى مثل مصر، حتى وهو يجهر بالحفاظ على السيادة الوطنية التونسية.

وبحسب موقع "عربي بوست" فقد كان تقرير لمنصة "أسباب" كشف نقلا من مصادر متعددة أن الإمارات ومصر كانتا على علم بتحرك الرئيس التونسي بشكل مسبق، وأن لكل من البلدين قوات في تونس أتت مؤخرا بغطاء المساعدة الطبية لمكافحة كورونا، ساهم ضباط منها في إدارة الأزمة من قصر الرئاسة، خاصة ضباطا مصريين. ووفق مصدر رسمي، فإن الولايات المتحدة طلبت من الرئيس التونسي بعد اتخاذه القرارات الاستثنائية أن تغادر القوات الإماراتية والمصرية تونس في أقرب فرصة.

 

تحالفات محفوفة بالمخاطر

وأشارت بعض التقارير إلى أن قادة الإمارات حضُّوا الرئيس الراحل السبسي على الانقلاب والسيطرة على السلطة على غرار "النموذج المصري" في عام 2015، ومرة أخرى في يونيو 2018. ومما لا شك فيه أن الإمارات حاولت خلال السنوات الثلاث الماضية التأثيرَ في مسار الأحداث في تونس، وهو ما يبرزه دعمها لخصوم النهضة الرئيسيين، مثل عبير موسي وحزبها الدستوري الحر، وأيضا السعودية التي استعملت منافذها الإعلامية لتشويه سمعة الغنوشي، وتأجيج نيران الصراع الداخلي في المشهد السياسي المنقسم بالفعل في تونس.

وبالفعل، كان قادة مصر والإمارات والسعودية في طليعة من أعربوا عن دعمهم لسعيّد، واحتفلت وسائل الإعلام الخليجية بخطوته معتبرةً إياها هزيمة للإخوان المسلمين. وأشاد سعيّد نفسه علانية بالدعم الذي تلقاه من دول "شقيقة وصديقة". وتشير تصريحاته إلى أنه يعتزم توطيد، بل وتوسيع نطاق الشراكات مع القادة العرب في الجبهة المعادية للديمقراطية في المنطقة.

من جانب القاهرة وأبوظبي والرياض وتونس عموما، فإن هذه الشراكات ذات أهمية سياسية وإستراتيجية. فهي قد تعزز النفوذ الإقليمي لزعماء البلدان الأربعة مساهمة في مزيد من التشديد لقبضتهم على السلطة في الداخل.

 

خسائر مضاعفة

أما أهمية هذه العلاقات لسعيد خصوصا، فإنها قد تعوضه افتقاره إلى أي حلفاء صريحين في مؤسسات الدولة، ربما باستثناء الجيش وقوات الأمن الداخلي. لكن ذلك لا يعني أن سعيّد يمكنه الاعتماد على تلك المؤسسات التي في نهاية المطاف تفتقر إلى أي خبرة ملموسة في الساحة السياسية، ويُحتمل أن يكون ولاؤها مشروطا بقدرته على صياغة استراتيجية سياسية قابلة للبقاء تتجاوز بالبلاد المنحدر الزلق لقمع الدولة والاستبداد.

وكما أشار أحد المحللين، كلما طال الوقت الذي يستغرقه سعيد لتحديد خارطة طريق سياسية واقتصادية فعالة، زادت فرصة خسارته لرأس المال السياسي والدعم الشعبي.

وعلى صعيد آخر، فإن احتمال أن يفقد الأتباع صبرهم لا بد أن تقلق أيضا أصدقاء سعيد في أنظمة الاستبداد الإقليمية. فالواقع أن سعيد إذا تعثر أو واجه احتجاجات متصاعدة قرر التصدي لها بحملة قمع دموية، فإنه لن يبدو وقتها ديمقراطيا مقتدرا ولا حتى مستبدا مسيطرا، بل سياسيا مبتدئا يفتقر إلى الوسائل والرؤية التي تكفل له الانتقال من صورة البطل الشعبوي إلى زعيم حاسم.

ومع ذلك، فإن الإشارات الواردة حتى الآن عن سعيد ومؤيديه المتحمسين غير مبشرة. فبدعوى أن "لا عودة إلى الوراء"، رفض قيس بإصرار أي حوار وطني مع ما يسميه "الخلايا السرطانية"، وهو مجاز يشير به إلى الطبقة السياسية التي يلومها على بلاء الفساد الذي وعد بالقضاء عليه (أي حزب النهضة). وقد أيَّد هذا التوجه عدد غير قليل من القادة ذوي التوجهات العلمانية، غير أن هذه المشاعر يظل انتشارها الأوسع في عالم وسائل التواصل الاجتماعي.

على نقيض ذلك، أثارت الدعوات إلى "تطهير" البلاد من الإسلاميين مخاوف وتحذيرات من سياسيين ليبراليين وصناع رأي انتقدوا شبكة القمع الآخذة في الاتساع، ولا سيما دعوات الانتقام من الإسلاميين، التي يمكن أن تقوض في النهاية أي جهد قد يبذله سعيد للضغط من أجل إصلاح عملي للدستور والنظام الانتخابي على نحو يحافظ على بعض مظاهر الديمقراطية والاستيعاب للجميع. وسلطت هذه التحذيرات الضوء على الاحتمال الوارد جدا بأن تحركات سعيد قد تثير فتنة داخلية، وهو ما قد يُفقد تونس أي حيثية لتقديم نفسها طرفاً إقليمياً موثوقا به.

Facebook Comments