مع اقتراب ذكرى مظاهرات 20 سبتمبر الأولى والثانية وما عرف بـ"انتفاضة الجلابية"، تواصل قوات أمن المنقلب السفاح السيسي حملات اعتقالات موسعة بعموم المحافظات المصرية، خوفا من تكرار المظاهرات الشعبية غير المؤدلجة والنابعة من قرى وريف مصر، ضد قرارات السيسي العشوائية التي زادت المصريين فقرا إلى فقرهم، ويجري تلفيق اتهامات كيدية للمعتقلين، واستهداف من سبق اعتقاله ومن يخضعون للتدابير الاحترازية، من أجل إرهاب الشعب وإخراصه عن مجرد التألم.

وإن كان سببا قويا للتظاهرات الشعبية التي تبدو أنها تؤرق السيسي ونظامه في ظل تباعد الإدارة الأمريكية الظاهري عنه ورفض استقباله في واشنطن حتى الآن، رغم مرور أكثر من 8 أشهر على ولاية بايدن، وهو ما دفع  السفيه السيسي لعمل ما يستطيع وما لا يستطيع من أجل إرضاء إسرائيل واستقبال رئيس وزرائها اليوم بشرم الشيخ وممارسة أقصى الضغوط على قطاع غزة من أجل إسرائيل، إلا أن من دوافع الثورة هو الإفقار الاقتصادي الذي يحياه المصريون وتآكل أموالهم والصب في مصلحة النظام من ضرائب ورسوم وانتقام اقتصادي من كل القطاعات. 

ولعل من ضمن الكوارث التي تضرب مصر اقتصاديا حاليا، هو تزايد العجز التجاري وزيادة عجز الموازنة وتفاقم أزمة الديون وعوائدها وهو ما يتحمله المواطن المصري.

ومن ضمن أرقام الكارثة التي تتواصل يوميا، ما أعلنه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء من وصول قيـمة العجز في الميـزان التجاري إلى 2.94 مليار دولار خلال يونيو 2021.

 

انخفاض الصادرات 

وحسب بيان للجهاز انخفضت قيمة صـادرات بعض السلع خــلال يونيو 2021 مقابل مثيلتها لنفس الشهر من العام السابق، وأهمها (صابون ومستحضرات تنظيف بنسبة 7.0%، منتجات ألبان بنسبة 23.7%، خضر مجمدة أو مبردة بنسبة 8.6%، مستحضرات عطور وتجميل بنسبة 29.7%).

في مقابل ارتفاع قيمة الـواردات بنسبة 0.9% حـيث بلغـت 6.55 مليار دولار خـلال يونيو 2021، مقابل 6.49 مليار دولار لنفس الشهر من العام السابق.

وأرجع البيان ذلك إلى ارتفاع قيمة واردات بعض السلع وأهمها: (نحــاس ومصنوعاته بنسبة 44.4%، سيارات ركـوب بنسبة 35.7%، مــواد أوليه من حــديد أو صلب بنسبة 22.4%، أدوية ومحضرات صيدلة بنسبه 12.4%).

 

 تراجع مدخرات المصريين

ولعل من شؤوم السيسي وسياساته الفاشلة ، تراجع مدخرات المصريين، كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي في زمن المنقلب السيسي.

وبحسب الباحث الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي  تراجعت بشكل كبير، وفق بيانات التقرير المالي الشهري لوزارة المالية في يونيو 2021، فخلال الفترة 2014 – 2020، لم تتجاوز نسبة الادخار للناتج المحلي 10% في أحسن الأحوال، باستثناء عام واحد، هو العام المالي 2018/ 2019.

بينما كانت المدخرات في أقل معدلاتها في العام المالي 2016 /2017 حيث وصلت إلى معدل تاريخي في انخفاضها، بوصولها إلى 1.8% فقط، وذلك بسبب اتفاق الحكومة مع صندوق النقد الدولي، وما تبعه من إجراءات تقشفية وانخفاض قيمة العملة وفقدان المصريين نحو 50% من ثرواتهم، خاصة المدخرات المحتفظ بها في القطاع المصرفي. وفي عام 2019 /2020 بلغت المدخرات 6.2% فقط من الناتج المحلي الإجمالي.

ولعل وصول معدل الادخار في بلد إلى أقل من 2%، لنعرف مدى معاناة الناس في ظل السياسات الاقتصادية التي تم تنفيذها، والتي كانت لها آثار اقتصادية واجتماعية شديدة السلبية، ولكن لم يلتفت النظام القائم إلى هذا الأمر، في ضوء السعي لنيل شهادة صندوق النقد الدولي، والحصول على القروض الخارجية.

 

مزاعم انخفاض عدد الفقراء 

ومن المفارقات الغريبة أن خيرت بركات، رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أعلن مؤخرا أن "معدل الفقر في مصر انخفض إلى 29.7% في العام المالي 2019 /2020، مقابل 32.5% في عام 2017 /2018، في حين لم يظهر هذا التحسن بأي صورة من الصور على معدلات الادخار للمجتمع، فنسبة المدخرات للناتج المحلي في العامين واحدة، وهي 6.2%، وفق بيانات التقرير المالي الشهر لوزارة المالية عن يونيو 2021".

بل الأدهى، حسب البيانات أن معدل الادخار كان في مصر في عام 2018 /2019 بحدود 10%، ثم تراجع في عام 2019/ 2020 إلى 6.2%، وهو ما يتناقض مع ادعاء تراجع معدلات الفقر.

 

حلب المواطن

ويمكن قراءة تراجع معدلات الادخار في عهد السيسي في ضوء السياسات المالية والاقتصادية التي تم اتباعها من خلال رفع معدلات الضرائب وزيادة سعر العديد من السلع والخدمات الحكومية، مثل المياه والكهرباء والغاز الطبيعي، ومختلف أنواع الوقود وكذلك الأوراق الثبوتية الحكومية.

ومن خلال نظرة سريعة للمقارنة بين معدلات الادخار بين عهدي السيسي ومبارك، في الفترة 2005 /2006 – 2009 /2010، نجد أن معدل الادخار كنسبة من الناتج الإجمالي، لم يقل عن 12.6% في عهد مبارك، وهو أعلى من أفضل سنوات عهد السيسي، وكان أفضل معدلات الادخار بعهد مبارك في عام 2005 /2006، حينما قفزت إلى معدل 17.1%.

 

جنون الأسعار

وركزت حكومة السيسي، منذ اللحظة الأولى لتوليه السلطة، في عام 2014، على سياسة رفع معدلات الإيرادات الضريبية، فارتفعت حصيلتها من 305.9 مليارات جنيه إلى 983 مليار جنيه في موازنة 2021 /2022، وهو ما يعني زيادة في الإيرادات بنحو 678 مليار جنيه، عما كانت عليه الأوضاع في بداية تولي السيسي السلطة، وهذه الزيادة تحققت من خلال فرض ضريبة القيمة المضافة، والزيادات المتتالية في مختلف أنواع ضريبة الدمغة، وبلا شك أن استنزاف دخول الأفراد من خلال الضرائب يعد خصما من مدخرات الأفراد.

أيضا اتجاه الحكومة لرفع الدعم عن معظم السلع والخدمات الحكومية بشكل كبير أدى إلى رفع معدلات الاستهلاك الخاصة خلال الفترة 2014 – 2020، إذ ارتفع الاستهلاك من تريليوني جنيه، إلى 4.9 تريليونات جنيه.

ويعد ذلك عاملا مهما في تراجع مدخرات المصريين، وإذا كان البعض يرى أن رفع معدل الاستهلاك شيء إيجابي في النشاط الاقتصادي، فهو كذلك بشرط أن يكون المكوّن المحلي هو صلب المنتجات والخدمات المستهلكة في الاقتصاد المصري.

لكن يلاحظ أن الواردات المصرية من الخارج في تزايد مستمر، سواء فيما يتعلق بخطوط الإنتاج وقطع الغيار، أو وسائل الانتقال، أو مستلزمات الإنتاج، أو السلع النهائية، مما يجعل الاستهلاك في هذه الحالة عبئا على ميزان المدفوعات، ويكرس للتبعية الاقتصادية للخارج.

وهكذا يتواصل انتقام السيسي من المصريين اقتصاديا، محققا بعدا استبداديا وقمعيا يتمثل في إلهاء الشعب في لقمة عيشه بعيدا عن مطالباته باستحقاقات سياسية واجتماعية لا ينتوي السيسي ونظامه الاقتراب منها، مع مراعاة حقوق الإنسان والتداول السلمي للسلطة والتوظيف ومعالجة الأزمات الصحية والمعيشية المتفاقمة.

Facebook Comments