أصدر قاضي التحقيق المنتدب في القضية رقم 173 لسنة 2011، المعروفة إعلامياً بقضية “التمويل الأجنبي”،قضية، الإثنين 20 سبتمبر 2021م أمرا هو السادس من نوعه، بإخراج أربع منظمات حقوقية وأهلية مصرية جديدة من القضية، وبأنه لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية ضدها لعدم كفاية الأدلة، والمنظمات هي مركز أندلس لدراسات التسامح ومناهضة العنف، ومركز دار المستقبل الجديد للدراسات الحقوقية والقانونية، وجمعية التنمية الإنسانية في المنصورة، والمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
وفي السادس من مايو 2021م، كان قاضي التحقيق المنتدب قد أصدر قراراً بحفظ التحقيقات مع 18 مؤسسة وكياناً، لأنه “لا وجه لإقامة الدعوى” نظراً “لعدم كفاية الأدلة”. بل إن حيثيات الحكم تناولت دور المجتمع المدني في مصر بمنحى إيجابي، في سياق تقدم الأوطان ودعم المجتمع. وهو الحكم الذي لقي حينها ترحيباً كبيراً، واعتُبر بمثابة إغلاق لقضية التمويل الأجنبي المفتوحة منذ 10 سنوات، خصوصاً أنه جاء في أعقاب حكم آخر صدر في مارس 2021م، بإنهاء التحقيقات مع 20 منظمة أخرى في نفس القضية. ومن قبلهما، صدر حكم في ديسمبر 2020م، شمل 20 مؤسسة وكياناً، ليصل العدد النهائي للمنظمات التي تم حفظ التحقيقات معها في القضية ككل إلى 58 مؤسسة، كلها ثبتت براءتها تماماً.
ويحاول النظام بهذه الأحكام تحسين سمعته دوليا في الملف الحقوقي خصوصا أمام الإدارة الأمريكية التي تضغط على نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي بشأن الملف الحقوقي ولا سيما ملف المنظمات المتهمة في قضية التمويل الأجنبي. ظاهرياً، هذا التطور أغلق ملف واحدة من أطول القضايا في القضاء المصري، امتدت لعشر سنوات، دون حفظ للتحقيقات أو إحالة للمحاكمة، ولا شيء سوى أبعاد سياسية في الأفق. لكن هذا الحكم، الذي حصد ترحيباً حقوقياً محلياً ودولياً، يخفي خلفه جوهر الأزمة من دون حل، وهو الأفق السياسي للعداء الممتد بين النظام المصري، والمنظمات الحقوقية التي لم يشملها قرار الغلق.
بنظرة أعمق، فإن التحقيقات قد حفظت مع منظمات مجتمع مدني تنموية، وليست حقوقية، وليس لها علاقة مباشرة بالأبعاد السياسية للقضية. وكثير منها منظمات قبطية، أو وثيقة الصلة بنظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، مثل الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية، والجمعية الوطنية للدفاع عن الحقوق والحريات، ومركز التنوير للتنمية وحقوق الإنسان، ومؤسسة محمد علاء مبارك الخيرية، والمنظمة المصرية لحقوق الإنسان، وجمعية النهضة الريفية بشبين الكوم بمحافظة المنوفية، وجمعية رواد البيئة، وغيرها. لكن القضية ما زالت سارية مع منظمات المجتمع المدني الحقوقية، المتشابكة مع كل القضايا السياسية التي تؤرق النظام الحالي، كما أرقت سابقيه، مثل قضايا التعذيب والإخفاء القسري والحريات الشخصية. وضمن هذه المنظمات: المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، ومركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، والشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان وغيرها.
تضمن القرار الأخير رفع أسماء النشطاء العاملين في تلك المنظمات من قوائم الممنوعين من السفر وترقب الوصول، وقوائم المنع من التصرف في أموالهم، من دون المساس بأي وقائع أخرى قد تكون محلاً للتحقيق في قضايا أخرى، ويستفيد من هذا القرار الناشط الحقوقي أحمد سميح، مؤسس مركز أندلس، والمحامي والمرشح السابق للرئاسة، خالد علي، مؤسس المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.‏
وذكر قاضي التحقيق أنه بصدور هذا القرار يكون عدد المنظمات والجمعيات والكيانات التي تم صدور أمر بعدم إقامة الدعوى الجنائية بشأنها في قضية التمويل الأجنبي 71 كياناً، ويشمل الاتهام فيها ما يربو على 200 شخص، مطالبا منظمات وجمعيات المجتمع المدني العاملة في مصر، والكيانات التي تمارس عملاً من أعمال المجتمع المدني بسرعة تقنين أوضاعهم وفقا للائحة التنفيذية لقانون تنظيم ممارسة العمل الأهلي الصادر في 2019. وينص القانون في بابه الثاني على مواد نظمت إجراءات تقنين أوضاع الجمعيات والمؤسسات الأهلية، والاتحادات والمنظمات، والكيانات الأجنبية غير الحكومية، خلال عام من تاريخ إصدار اللائحة التنفيذية، ويتعرض المخالفون لغرامة مالية يصل حدها الأقصى إلى مليون جنيه مصري.

ولفهم سبب الإبقاء على سير التحقيقات مع تلك المنظمات خاصة، لا بد من العودة إلى النصف الثاني من عمر القضية، وتحديداً لعام 2016، مع إعادة فتح القضية لضم المؤسسات الحقوقية الجادة المعنية بمكافحة الفساد والتعذيب والإخفاء القسري، مثل مركز النديم لتأهيل ضحايا التعذيب والعنف، والشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، ومركز القاهرة لحقوق الإنسان، ضمن 37 منظمة أخرى تم ضمها للقضية في هذا الوقت، رغم أن القضية بدأت في ديسمبر 2011 بـ17 منظمة فقط. وكان من الممكن غلق ملف القضية، مع الإفراج وترحيل الأجانب المتهمين فيها، ضمن 43 شخصاً قبض عليهم في ديسمبر 2011. كما كان من الممكن غلقها في فترة حكم الرئيس المصري الراحل محمد مرسي، بالحكم الصادر في يونيو 2013، بمحاكمة 43 من العاملين في المؤسسات المشمولة في القضية، بأحكام غيابية تتراوح بين سنة و5 سنوات مع إيقاف التنفيذ.
كما كان من الممكن جداً غلقها تماماً، بأن يشمل الحكم الصادر في 6 مايو 2021، جميع المنظمات المشمولة في القضية. لكن هذا لم يحدث، وتم الإبقاء على منظمات، بسبب العداء المباشر بين مؤسسيها والنظام، والذي يتمثل في الأحكام المباشرة الصادرة بحق مؤسسيها، والتضييق عليهم بتجميد أموالهم ومنعهم من السفر على خلفية هذه القضية. ليس هذا وحسب، بل إن المدير التنفيذي للشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان جمال عيد، مثلاً، تعرض، في ديسمبر 2019، للضرب وإغراقه بمواد الطلاء في الشارع، بعد تحطيم سيارته في أكتوبر 2019، والقبض على المحامي الحقوقي العامل بالشبكة عمرو إمام، وضمه للقضية رقم 488 لسنة 2019 حصر أمن دولة عليا، باتهامات “مشاركة جماعة إرهابية مع العلم بأغراضها، ونشر وإذاعة أخبار وبيانات كاذبة، وإساءة استخدام وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي”.
كما أن بهي الدين حسن، مدير مركز القاهرة لحقوق الإنسان، حكم عليه غيابيًا في أغسطس 2020، بالسجن المشدد 15 سنة، لاتهامه بنشر أخبار كاذبة والتحريض ضد الدولة، وإهانة القضاء، في القضية رقم 5370 لسنة 2020 جنايات الدقي، المقيدة 91 لسنة 2020 حصر أمن دولة، لـ”قيامه بإنشاء حساب على مواقع التواصل الاجتماعي، وإذاعة وبث أخبار كاذبة من خلاله، والتحريض على العنف، وإهانة السلطة القضائية”. هذا بخلاف التضييقات الأمنية التي واجهتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، والتي لم تكن لتمر سوى بتدخلٍّ دولي من الجهات والسفارات الأوروبية المانحة.
ومع ذلك، فقد توسمت هذه المنظمات الحقوقية المشمولة في القضية، في النظام المصري، بصيصاً من الأمل. وتقدمت قبل صدور حكم شهر مايو 2021م بأيام بورقة موقف جماعي، شملت 7 إجراءات ضرورية لتحسين أوضاع حقوق الإنسان، فيما وصفته بـ”الاختبار الحقيقي لجدية أي تعهدات رسمية تتردد في الآونة الأخيرة حول إصلاحات، أو انفراجة، في الملف الحقوقي”. وتبدأ هذه الإجراءات السبعة بـ”الإفراج عن السجناء السياسيين المحبوسين احتياطياً، أو المحكوم عليهم، من جميع التيارات السياسية بالآلاف بسبب نشاطهم السلمي”، وتنتهي بـ”رفع الحجب عن مواقع الإنترنت والصحف الرقمية، والتي تجاوز عددها 600 موقع محجوب، بالمخالفة للقانون وبدون حكم قضائي”.

Facebook Comments