رجحت مصادر دبلوماسية مصرية بحكومة الانقلاب عدم سفر الدكتاتور عبدالفتاح السيسي إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة المقرر انطلاقها الثلاثاء 21 سبتمبر 2021م. وتعزو هذه المصادر أسباب ذلك إلى تعثر مفاوضات الخارجية المصرية تحت إشراف المخابرات العامة من أجل تنسيق لقاء كان من المستهدف أن يجمع بين السيسي والرئيس الأمريكي جوبايدن على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، وكذلك الاجتماع بعدد من الشخصيات الأمريكية في الحزبين الديمقراطي والجمهوري.
وكانت السفارة المصرية في واشنطن والوفد المصري في نيويورك وشركة "براونستين هيات فاربر شريك" للدعاية المتعاقدة مع المخابرات المصرية، بدأت منذ مطلع أغسطس 2021م اتصالات ومقابلات لإعداد جدول أعمال مكثف للسيسي ووزير الخارجية حال إتمام سفرهما، إلى جانب التباحث حول اتخاذ خطوات داخلية لإشعار الإدارة الأميركية بحدوث تغيير حقيقي في التعامل المصري مع ملف حقوق الإنسان، ومن بينها بطبيعة الحال إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان في 11 سبتمبر الجاري.
ويرتبط ذلك برغية نظام السيسي في تحسين صورته في الخارج لا سيما أمام الإدارة الأمريكية؛ حيث أعلن عن الإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، وأصدر عدة قرارات صورية بإخراج منظمات، ليس لها نشاط ولا تمارس العمل الحقوقي في الأساس، من قائمة الاتهام في قضية التمويل الأجنبي، قبل وبعد الهجوم الذي شنته 31 دولة على السياسات المصرية في مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في مارس 2021م. وكان الهجوم قد ركز بشكل تفصيلي على أوضاع المعتقلين، وتدوير المحبوسين، وتجاوز فترات الحبس الاحتياطي، والإفراط في استخدام قانون الكيانات الإرهابية للإدراج على قوائم الإرهاب، والمنع من السفر والتصرف في الأموال، والانتقادات الموجهة لقانون العمل الأهلي الجديد. وتلاه إصدار قرارات عفو تشمل السجناء الجنائيين العاديين وليس السياسيين، وقصر إخلاء السبيل، بالنسبة للمعتقلين والمحبوسين احتياطيا، على الصحافيين وعدد محدود من النشطاء الحقوقيين، وغيرها من صور الادعاء بوجود انفراج من دون تأثير حقيقي.
وبحسب التقرير الذي نشرته صحيفة "العربي الجديد" اللندنية فإن هناك ثلاثة أسباب تضافرت لعرقلة هذا اللقاء، أبرزها أن الإدارة الأميركية تبدو وكأنها تتجنب عقد لقاء ثنائي مع السيسي في الوقت الحالي، هروباً من الضغوط الداخلية والاتهامات الحادة، خصوصاً من داخل الحزب الديمقراطي، بعدما أعلنت حجب وتقييد بعض المساعدات العسكرية لمصر، وقيمتها 130 مليون دولار فقط، وذلك بسبب ما قيل إنها مخاوف تتعلق بحقوق الإنسان، وأن جزءاً من مبلغ المساعدات، وقيمته 170 مليون دولار، ستوضع قيود على استخدامه، بدلاً من تعليق الـ 300 مليون دولار بالكامل، وكذلك المبلغ السابق الذي صُرف في يوليو/تموز الماضي بأكثر من 400 مليون دولار على اتخاذ نظام السيسي إجراءات إيجابية محددة تتعلق بحقوق الإنسان.
وعلى الرغم من أن هذا القرار يُعدّ حلاً وسطاً بين ممارسي الضغوط والإدارة المتجهة إلى تحسين العلاقات مع السيسي، إلا أنه ما زال يثير عاصفة من الانتقادات الداخلية، التي يبدو أنها أثرت بالسلب على الاتصالات المصرية الأميركية لعقد لقاء مباشر بين السيسي وبايدن، الذي يبدر منه، ومن وزير خارجيته أنتوني بلينكن – حتى الآن – تصرفات لم تكن مُتوقعة، بالنظر للانتقادات الحادة التي كان يوجهها بايدن للرئيس المصري وعلاقته بسلفه دونالد ترامب قبل ذلك.
وأوضحت المصادر أن الإدارة الأميركية تتجه إلى الاكتفاء بصرف المساعدات والمساعدة في قضية سد النهضة، ودعم مركز مصر الاستراتيجي في المنطقة، خصوصاً على مستوى القضية الفلسطينية، إلى أن يتخذ السيسي خطوات أوسع في ملف حقوق الإنسان، الذي ما زال منغلقاً بسبب تمسك نظام 3 يوليو بالإجراءات التصعيدية والانتقامية ضد المعارضين، وعدم فتح المجال العام أمام العمل السياسي والأهلي بحرية.
أما السبب الثاني لتعثر اللقاء فهو ترجيح عدم مشاركة عدد كبير من زعماء العالم في اجتماعات الجمعية العمومية، واتجاه عدد كبير من الملوك والرؤساء إلى إرسال كلمات مسجلة، عوضاً عن الحضور، لأسباب تتعلق بالارتباك الواضح في إجراءات السلامة والوقاية من فيروس كورونا. حيث اشترطت الأمم المتحدة قبل أيام تلقي المشاركين لقاحاً ضد الفيروس من اللقاحات المعترف بها من الولايات المتحدة وأوروبا، الأمر الذي أثار غضب روسيا. وبعد ساعات تحدث مسؤولون في الجمعية العامة عن توجه لعدم اشتراط ذلك.

أما السبب الثالث فهو سياسي وأمني خاص بتحركات السيسي المفترضة في نيويورك، حيث أرسلت الأمم المتحدة إلى المبعوثين الدائمين قائمة بشروط حضور الوفود، من بينها تقليل أعداد الحاضرين ومرافقيهم وحراستهم، بصورة تجعل مشاركة السيسي "صعبة للغاية"، بحسب المصادر، التي رجحت مشاركة وزير الخارجية سامح شكري فقط من القاهرة، واكتمال الوفد من الدبلوماسيين المصريين بالولايات المتحدة.

Facebook Comments